وجهالته ، حتّى ولو كان هو السبب في غروره وكان قد عاند الحقّ ولم يعر اهتمامه لنصح الناصحين ، إذ ليس من حكمة العقل أن يقوم الدليل بدفع التائه المغرور إلى مهاوي الهلكة بحجّة جموحه عن قبول النصح .
فلنفرض أنّ إنسانا معجبا بنفسه لم يستسلم لقيادة من كان يدلّه على الطريق ، ولم ينصت لنصح من كان ينصحه ، فجعل يسير على مضلّات الطريق ومتعرّجاته حتّى وقف على حافّة هاوية سحيقة حائرا في ضلاله . فهل يجوّز العقل حينئذ أن يعود الدليل فيدفع به إلى السقوط في فوهتها ، أو يزلق برجله حتّى يقع هو في قعرها ؟ !
وإذا كان العقل لايجوّز أمرا فهو ظلم وقبيح ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . إذن لامحيص عن تفسير إضلاله تعالى بالخذلان والخيبة والحرمان ، بمعنى ترك العتاة في ظلمات غيّهم يعمهون !
عرض آيات الهداية والضلال ( التي وقعت موضع تشابه )
وبعد فلنتعرّض الآن لآيات ربّما وقعت موضع تشبّث أهل الجبر في الهداية والضلال ، والإجابة عليها وفق ما أسلفنا من البيان :
1 - قوله تعالى :
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » .
« 1 » قالت الأشاعرة : لو كان المراد بالهداية الدلالة لكانت حاصلة لهم ، فلم يكن لطلبها معنى ، فوجب أن يكون المراد : نفس الإيمان أو القدرة عليه .
والجواب : أنّ للهداية مراتب متلاحقة لا يقف المؤمن منها عند حدّ ، فعلى أيّة درجة كان فإنّه يطلب المزيد والبلوغ لدرجة أعلى .
ولا نهاية لرحمته تعالى مع الأبدية
« وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً » .
« 2 »
« وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا » .
« 3 »
وأيضا فإنّا قد بيّنا في التفسير : أنّ العبد يطلب من اللّه الاستقامة في جميع شؤون
هامش
( 1 ) - الفاتحة 6 : 1 .
( 2 ) - محمّد 17 : 47 .
( 3 ) - مريم 76 : 19 .