كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
« 1 » على أنّه لامقدور إلّا واللّه عليه قادر ، وأن يدلّ قوله تعالى :
« خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ »
« 2 » على أنّه لامُحدث مفعول إلّا واللّه مُحدِث له فاعل خالق . . . » . « 3 »
ورمى أبومحمّد علي بنأحمد بنحزم الظاهري ( ت 456 ) القائلين بمثل هذه التفسيرات بالجهالة ، قال : وقال بعض من يتعسّف القول بلا علم - معرضا بالأشعري - أنّ قول اللّه عزّوجلّ :
« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى » .
« 4 » وقوله تعالى :
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ » .
« 5 » وقوله تعالى :
« وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ » :
« 6 » إنّما أراد تعالى بكلّ ذلك المؤمنين خاصّة !
قال : وهذا باطل من وجهين ، أحدهما : تخصيص الآيات بلا برهان ، وما كان هكذا فهو باطل . والثاني : إنّ نصّ الآيات يمنع من التخصيص « 7 » ثمّ أخذ في الاستدلال بآيات ردّا على تلك المزعومة .
قلت : ونحن قد أسلفنا - في مقدّمة الفصل - البحث عن الهداية والضلال وأن لاموقع للإلجاء مع التكليف ، كما لاملامة ولاذمّ ولاعقاب ولا جزاء مع عدم الإرادة والاختيار ، وأنّ للهداية مراتب : أولى ووسطى وقصوى ، والوسطى اختيارية محضة واقعة بين هدايتين كانتا منحتين إلهيّتين . وبذلك استطعنا التوفيق بين الآيات الكريمة وله الحمد .
( ملحوظة ) قد يقال : لامانع من حمل قوله تعالى :
« يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ »
على حقيقة الإضلال ، من غير تأويله إلى معنى الخذلان والحرمان . وذلك لأنّه تعالى إنّما يزيد في ضلال العاتي المتمرّد عقوبة على استكباره وعناده مع الحقّ الصريح . فهي عقوبة اكتسبها العاصي بيده ، فكان جديرا بهذا الجزاء المماثل
« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » .
« 8 »
لكنّا إذا مالاحظنا نجد من إمداد التائه في تيهه - مهما كان السبب - قباحة يستنكرها العقلاء في الأوساط المتحضّره ، ويستقبحون الإغراء بالجاهل المغرور ، زيادة في غيّه
هامش
( 1 ) - البقرة 20 : 2 .
( 2 ) - الفرقان 2 : 25 .
( 3 ) - راجع : اللمع ، صفحات 74 و 78 و 79 و 88 .
( 4 ) - فصّلت 17 : 41 .
( 5 ) - الإنسان 3 : 76 .
( 6 ) - البلد 10 : 90 .
( 7 ) - الفصل في الملل والنحل لابن حزم ، ج 3 ، ص 45 - 46 .
( 8 ) - هذا ما قاله زميلنا العلّامة السيد مهدي الحسيني الروحاني رحمه الله والآية 40 من سورة الشورى .