من يشاء بلا استحقاق موجب ، لأنّه تعالى يفعل ما يريد ، ولا يُسأل عمّا يفعل وهميُسألون .
قال : إنّ اللّه هدى البعض إلى الإيمان ولطف به وأصلحه فكان مؤمنا ، وأضلّ البعض ولم يلطف به ولم يصلحه فكان كافرا ، ولو أصلحه ولطف به لكان مؤمنا ، لكنّه تعالى أراد أن يكون هذا كافرا ومن ثمّ خذله وطبع على قلبه .
وتشبّث في ذلك بظواهر آيات تنسب إليه تعالى الهدى والضلال مطلقا
« يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
. قال : الإيمان والكفر كلاهما من فعله تعالى يخلقهما في من يشاء من عباده ، من شاء جعله مؤمنا ، ومن شاء جعله كافرا . والخلاصة : إنّه فسّر الهداية - حيثما وردت في القرآن - بخلق الإيمان مباشرة أو القدرة عليه ، ومن ثمّ فهي خاصّة بالمؤمنين وحدهم ، لأنّهم هم الذين أراد منهم الإيمان ، فأقدرهم عليه ووفّقهم له ، دون غيرهم من الكفّار والمنافقين ، ولو كان أراد من هؤلاء الإيمان أيضا لأقدرهم عليه لكنّه تعالى أراد أن يكونوا كافرين فلم يقدرهم على الإيمان .
وقال - في قوله تعالى :
« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى »
- « 1 » : إنّ الضمير في
« فَهَدَيْناهُمْ »
يعود على المؤمنين من قوم ثمود خاصّة ، والضمير في
« فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى »
يعود على الكافرين منهم خاصّة . ليكون المعنى : إنّ اللّه هدى البعض من قوم ثمود إلى الإيمان وأقدرهم عليه فآمنوا ، كما لم يهد غيرهم ولم يقدرهم فاستحبّوا العمى على الهدى وصاروا كافرين .
وقد تكلّم الأشعري في ذلك بإسهاب ، في فصول عقدها من كتابه « الإبانة » « 2 » وله مخاريق أفظع ذكرها في كتابه : « اللمع » . « 3 »
قال فيه بصدد بيان مسألة الكسب :
« فإن قال قائل : فهل اكتسب الإنسان الشيء على حقيقته ، كفرا باطلًا ، وإيمانا
هامش
( 1 ) - فصّلت 17 : 41 .
( 2 ) - صفحات : 19 - 20 و 108 - 130 .
( 3 ) - صفحات : 69 و 73 و 79 و 88 و 90 من اللمع .