وسار على رشد عقله ، انقاد لهدى الشريعة وأطاع ربّه ، ومن ثمّ أدركه توفيق ربّاني وانشرح صدره فبلغ الحقيقة والصواب بعنايته تعالى ولطفه الخاصّ .
أمّا إذا عاكس فطرته وخالف رشد عقله ، فإنّه لا يجيب إلى دعوة الأنبياء ولايمتثل تكليف ربّه ، ومن ثمّ لم يستعدّ بنفسه لشمول نفحات قدسه تعالى ، فأخطأه التوفيق وضاق صدره فلم ينل الاهتداء إلى الصواب ، فكان قد حرّم سعادة الحياة في شقاء دائم .
وعليه فمعنى إضلاله تعالى لمن يشاء ، هو خذلان عبده المتمرّد الطاغي ، يتركه يعمه في ظلمات غيّه ، جزاء متناسبا مع عناده وإصراره على الجهالة والطغيان . كسائرٍ على مزالق هاوية سحيقة ، لا يعرف درب النجاة وَغَمَتْه ظلمات السماء والأرض ، فيناديه الدليل العارف : ناولني من يدك لأهديك سواء السبيل ، واتّبعني أهدك صراطا سويا ، لكنّه لسوء اختياره يترفّع بنفسه - علوّا واستكبارا - أن ينخرط مع سائر المهتدين أو يسير مع ركب المؤمنين
« وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ » .
« 1 »
« إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
. . .
قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ » .
« 2 »
« فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ »
. « 3 »
هكذا أطاحوا بحظّهم وألقوا بأيديهم إلى التهلكة
« فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » ،
« 4 » قال تعالى :
« سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ » .
« 5 »
هذا هو إضلاله تعالى بمعنى خذلانه الطغاة وتركهم في ظلمات الغيّ يعمهون معاكسة طبيعية وحتمية مع اتّجاههم ذاك العاتي
« وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ » .
« 6 »
« يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
هامش
( 1 ) - البقرة 13 : 2 .
( 2 ) - الشعراء 106 : 26 - 111 .
( 3 ) - القمر 24 : 54 .
( 4 ) - الصف 5 : 61 .
( 5 ) - الأعراف 146 : 7 .
( 6 ) - غافر 31 : 40 .