تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
الدنيا دار اختيار واختبار ، ولا اختبار مع الإلجاء والإكراه . وبذلك نوّه الذكر الحكيم ، قال تعالى :
« فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » .
« 1 » وقال :
« أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً »
. « 2 » لكنّه تعالى لم يشأها ، حيث منافاتها للتكليف والاختبار . * * * وقسّم سيدنا الأُستاذ رحمه الله أنحاء الهداية إلى ثلاثة : الأُولى - هداية تكوينية عامّة ، أعدّها اللّه في طبيعة الموجودات ، وهي تسير بطبعها نحو الكمال ، وتهتدي بنفسها إلى طرق الاستكمال
« رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » .
« 3 » الثانية - هداية تشريعية عامّة ، أفاض على الإنسان العقل وقدرة تمييز الحقّ عن الباطل ، وأيّده بإرسال رسل وإنزال كتب وشرائع
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » .
« 4 » الثالثة - هداية تكوينية خاصّة ، عناية ربّانية خصّ اللّه بها بعض عباده ممّن وفّقهم وسدّدهم نحو الصواب وفق اقتضاء حكمته ولطفه
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » .
« 5 » وبذلك فسّر رحمه الله طلب الهداية في قوله :
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » .
« 6 » حيث المسلم بعد ما اعترف بأنّ اللّه قد منّ عليه بهدايته العامّة التشريعية ، يطلب من اللّه أن يمنحه هدايته الخاصّة التي يختصّ بها من يشاء من عباده . « 7 » والهداية في كلّ مرتبة من مراتبها الخمس المتقدّمة هي ذات درجات أعلا فأعلا ، يتدرّجها عباد اللّه النابهون درجة بعد درجة ومرحلة بعد أخرى إلى غير نهاية حيث لا نهاية ولا غاية لرحمته تعالى الواسعة ، فكلّما بلغ العبد منزلة رفيعة من رحمته تعالى تكون وراءها مراتب أرفع وأعلا وأقرب إلى فيض قدسه تعالى ، ولا يزال مثل نبيّنا صلى الله عليه وآله يرتفع
هامش
( 1 ) - الأنعام 149 : 6 . ( 2 ) - الرعد 31 : 13 . ( 3 ) - طه 50 : 20 . ( 4 ) - الإنسان 3 : 76 . ( 5 ) - العنكبوت 69 : 29 . ( 6 ) - الفاتحة 6 : 1 . ( 7 ) - راجع : البيان في تفسير القرآن - عند تفسير سورة الفاتحة - ، ص 527 - 529 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 180 | الشيخ محمد هادي معرفة