بالكيفيّة التي كانت على الأُمم السالفة طابق النعل بالنعل فلا يجوز لهم مقاربة النساء ، ولا تناول الطعام والشراب إذا قاموا بعد العشاء الآخرة . وهذا الحكم منسوخ بالآية الثانية لا محالة .
لكن على فرض التسليم فهو تخصيص للحكم لانسخ له رأسا . والعمدة أنّ التشبيه هنا ينظر إلى ناحية أصل وجوب الصوم ، تخفيفا لوطئة هذا التكليف ، أمّا الآية الثانية فهو ترخيص في مقام توهّم الحظر ، أو هو رفع لحكم ثبت بالسنّة ، فإنّ حرمة مقاربة النساء والأكل والشرب بعد عشاء الآخرة ليست ممّا تستفاد من الآية الأُولى .
10 -
« وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » .
« 1 »
قال ابن حزم : نسخها قوله :
« فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » .
« 2 »
هؤلاء فسّروا الإطاقة هنا بالقدرة ، فكان ظاهر الآية تخيير المتمكّن بين الصوم والفداء . لكن الإطاقة هنا بمعنى بلوغ غاية الجهد ، كناية عن المشقّة البالغة في الصوم ، فهذا مرخّص له في الإفطار والفداء ، إذن فهذه الآية تخصيص في الحكم المستفاد من الآية الثانية ، كما هو تخصيص في الحكم المستفاد من صدر الآية الأُولى أيضا .
11 -
« وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا » .
« 3 »
لمّا نزلت كان رسولاللّه صلى الله عليه وآله يقاتل من قاتله من المشركين ويكفّ عمّن كفّ عنه ، فنسخت بقوله تعالى :
« فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » .
« 4 »
وقد تقدّم أنّه من التدرّج في أمر القتال .
12 -
« وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ » .
« 5 »
قال ابن حزم : نسختها
« فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ »
وهذا غريب بعد أن كان هذا تفريعا على مفهوم الغاية ، أي تصريح بالمفهوم ، فهو تثبيت لما يستفاد من السابقة لانسخ لحكمها كما لا يخفى .
هامش
( 1 ) - البقرة 184 : 2 .
( 2 ) - البقرة 185 : 2 . رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم ، ج 2 ، ص 162 ؛ وراجع : مجمع البيان ، ج 2 ، ص 274 .
( 3 ) - البقرة 190 : 2 .
( 4 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 284 .
( 5 ) - البقرة 191 : 2 .