بك من عقاربها الفاغرة أفواهها وحيّاتها الصالقة بأنيابها وشرابها الذي يقطع أمعاء وأفئدة سكّانها وينزع قلوبهم ، وأستهديك لما باعد منها وأخّر عنها « 1 » .
شرح فقرات دعاء الصحيفة السجّادية بعد صلاة الليل
أقول في بيان الدعاء : صدف - بالمهملتين كضرب - : أعرض ، وقوله عليه السّلام : « ومن نار نورها ظلمة » وصف لتلك النار بما يميّزها من نيران الدنيا وبين هولها وفظاعة أمرها إذ كان النور لا ينفكّ عن شيء من النيران المعهودة ، وكون نورها ظلمة ممّا يهول النفس ويروع القلب ففي الخبر انّ اللّه ( عزّ وجلّ ) أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتّى ابيضّت ثمّ نفخ عليها ألف عام حتّى احمرّت ثمّ نفخ عليها ألف عام حتّى اسودّت فهي سوداء مظلمة ؛ « وهيّنها أليم » هان الشيء سهل ولان ، والأليم :
الموجع قال اللّه تعالى :
« تَصْلى ناراً حامِيَةً * تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ »
« 2 » ففي الخبر السابق لو انّ قطرة من الضّريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها فكيف بمن هو طعامه ليس له طعام غيره ؛ « وبعيدها قريب » يحتمل وجوها أحدها أن يكون المراد بالبعيد ما يستبعد وقوعه ، والمعنى انّ ما تستبعده العقول من أمرها قريب الوقوع فيها لا بعد فيه ، وبه فسّر قوله تعالى :
« إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَراهُ قَرِيباً »
« 3 » ، وثانيها انّ البعيد منها مكانا لا يمنعه بعده من إصابة حرّها وعذابها بل هو قريب بالنسبة إليها كما روي : لو انّ رجلا كان بالمشرق وجهنّم بالمغرب ثمّ كشف عن غطاء منها لغلت جمجمته ،
وفي رواية : لو كان أحدكم بالمشرق وكان النار بالمغرب ثمّ كشف عنها لخرج دماغ أحدكم من منخريه من شدّة حرّها ،
وثالثها أن يكون تلميحا إلى قوله تعالى في العنكبوت :
هامش
( 1 ) ق : 3 / 58 / 384 ، ج : 8 / 324 .
( 2 ) سورة الغاشية / الآية 4 - 6 .
( 3 ) سورة المعارج / الآية 6 و 7 .