المبحث الثالث : في إمكان تبعيض التوبة
قال العلامة ( قدس سره ) : " اختلف شيوخ المعتزلة فذهب أبو هاشم إلى أن التوبة لا تصح من قبيح دون قبيح ، وذهب أبو علي إلى جواز ذلك ، والمصنِّف ( ره ) استدل على مذهب أبي هاشم بأنّا قد بيّنا أنه يجب أن يندم على القبيح لقبحه ، ولولا ذلك لم تكن مقبولةً على ما تقدم ، والقبح حاصل في الجميع ، فلو تاب من قبيح دون قبيح كشف ذلك عن كونه تائباً عنه لا لقبحه " « 1 » .
والمتّجه ما ألمح إليه المحقِّق الطوسي ( قدس سره ) ، وقرَّره العلامة ( قدس سره ) بقوله : " الحق أنه تجوز التوبة عن قبيح دون قبيح ؛ لأن الأفعال تقع بحسب الدواعي وتنتفي بحسب الصوارف ، فإذا ترجّح الداعي وقع الفعل . إذا عرفت هذا فنقول : يجوز أن يرجِّح فاعل القبائح دواعيه إلى الندم على بعض القبائح دون بعض ، وإن كانت القبائح مشتركةً في أن الداعي يدعو إلى الندم عليها ، وذلك بأن تقترن ببعض القبائح قرائن زائدة كعظم الذنب أو كثرة الزواجر عنه أو الشناع عند العقلاء عند فعله ، ولا تقترن هذه القرائن ببعض القبائح فلا يندم عليها ، وهذا في دواعي الفعل فإن الأفعال الكثيرة قد تشترك في الدواعي ثم يؤثر صاحب الدواعي بعض تلك الأفعال على بعض ، بأن يترجّح دواعيه إلى ذلك الفعل بما يقترن به من زيادة الدواعي ، فلا استبعاد في كون قبح الفعل داعياً إلى الندم ، ثم تقترن ببعض القبائح زيادة الدواعي إلى الندم عليه فيترجح لأجلها الداعي إلى الندم على ذلك البعض ، ولو اشتركت القبائح في قوة الدواعي اشتركت في وقوع الندم ولم يصح الندم على البعض دون الآخر " « 2 » .
وبعبارة أخرى لأحد الأعلام ( قدس سره ) هذا نصّها : " إنّ اختلاف المعاصي من حيث الكبر
هامش
( 1 ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ( تحقيق الآملي ) : 567 .
( 2 ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ( تحقيق الآملي ) : 569 .