الفصل الرابع : أحكام التوبة :
المبحث الأول : في لزوم التوبة من الصغائر
نقل المحقق السبزواري ( قدس سره ) - كما تقدّم - الإجماع وجوب التوبة من الصغائر قائلًا : " الظاهر أن التوبة من الذنب واجبة اتفاقاً ، من غير فرق بين الصغيرة والكبيرة " « 1 » ، وتقدّم أيضاً الإشكال في كاشفيّة مثله عن الحكم الشرعي ، وكيف كان فالمتّجه هو التفريق في وجوب التوبة إيجاباً ونفياً باختلاف الدليل ، فإن كان الدليل على وجوب التوبة هو النقل من كتابٍ وسنةٍ فمقتضى إطلاقه عدم الفرق في وجوب التوبة عن الذنب بين كونه كبيراً أو صغيراً ؛ فإن المدار في وجوبها على المخالفة والتمرّد والخروج عن زيّ العبودية ، وذلك متحقّق فيهما معاً ، وإن كان الدليل على وجوبها هو العقل ، فيفترق الحكم بين كون ملاك الوجوب شكر المنعم بناء على القول بالحسن والقبح العقليين ، فتجب التوبة عن الذنب وإن كان صغيرة ؛ لاشتراكهما في الملاك المذكور ، إذا توقّف الشكر عقلًا على ذلك ، وبين كون ملاكه دفع الضرر المحتمل ، فلا تجب التوبة عن الصغيرة ؛ لتكفيرها بتجنُّب الكبائر ، فيحصل الأمن من العقاب ، قال الله سبحانه :
( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً )
« 2 » ، نعم تجب التوبة من الصغائر على من لم يتجنّب الكبائر ، وإن تاب منها بعد إتيانها ؛ لعدم تناول التكفير مثله ، فإنه ليس المراد من الاجتناب في الآية هو الاجتناب عنها آنا ماً ؛ لأنه أمر حاصل لكل شخص حتى لأفسق الفسقة ، بل المراد به الاجتناب عنها أبداً . فتأمّل .
هامش
( 1 ) ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد 303 : 2 .
( 2 ) سورة النساء : 31 .