استطراف واستئناس :
قال أحد الأعلام ( قدس سره ) : " ولكن أنت خبير بأنّه ليس فائدة التوبة عن الصغائر منحصرة بالخلاص عن عقابها ، بل كلّ معصية توجب نقصاً في النفس ، وموجبة لهبوطها عن الكمال والصعود إلى الدرجات العالية ، وتوجِد نقطة سوداء في النفس ، كما في بعض الأخبار الصادرة عن أهل بيت العصمة ، فبعد أن وفّقه اللَّه للتوبة يبدّل اللَّه تلك النقطة السوداء بالبيضاء ، وإلا تكبر وتحيط على تمام القلب ، فلا يبالي بارتكاب أيِّ معصية كبيرة أو صغيرة ، فطهارة القلب وتذكيته ( كذا ) عن دنس المعصية لا يمكن إلا بالتوبة والرجوع إلى اللَّه وإلى الطريق المستقيم . وهذا أثر للتوبة لا ربط له بمسألة العفو عن العقاب ، ولا يحصل هذا الأثر إلا بالتوبة ، ولعلّه إلى هذا يشير قوله ( ص ) : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " ، أي لا يبقى بعد التوبة أيّ أثر لذنبه ، لا أنّها ترفع العقاب فقط " « 1 » .
وقال أحد الأعلام ( قدس سره ) : " لا إشكال في وجوب التوبة عن المعاصي الكبيرة ، وأمَّا الصغائر ففي وجوب التوبة عنها خلاف ، وتحقيق الكلام في ذلك أن يقال : أمّا بالنسبة إلى المقصد الأصلي والغاية القصوى أعني الوصول إلى الغاية المطلوبة في خلقة الإنسان فلا إشكال في وجوب التوبة عنها ؛ لكون المعصية الصغيرة كالكبيرة مانعةً عن الوصول إليها ، ولذا انكشف على بعض الزاهدين من مقاربي عصرنا ( رحمة اللّه عليه ) حين خطر على قلبه الزكي عدم البأس في ارتكاب بعض الصغائر نادراً بحسب الاتفاق ، فسمع من الهواء : يا فلان ( وهو المرحوم الملأ عبّاس والد الشيخ الشهيد النوري رحمة اللّه عليهما باسمه واسم أبيه ) أما تستحيي من ربك ، ليس في معاصيه صغائر وكبائر ، بل كلّها كبيرة مبعِّدة عن لقاء اللّه
هامش
( 1 ) القواعد الفقهيّة للسيّد البجنوردي ( قدس سره ) 345 : 7 .