في هذا الكون ، المنفرد بالإيجاد والإمداد ولا يجوز للعبد أن يشرك معه أحداً من خلقه ، مهما علا قدره أو سمت مرتبته من نبي أو ولي .
النظرة الثانية : نظرة للأسباب التي أثبتها الله تعالى بحكمته إذ جعل لكل شيء سبباً . فالمؤمن يتخذ الأسباب ، ولكنه لا يعتمد عليها ولا يعتقد بتأثيرها الإستقلالي . فإذا نظر العبد إلى السبب واعتقد بتأثيره المستقل عن الله تعالى فقد أشرك ، لأنه جعل الإله الواحد آلهة متعددة . وإذا نظر للمسبب وأهمل اتخاذ الأسباب فقد خالف سنة الله الذي جعل لكل شيء سبباً . والكمال هو النظر بالعينين معاً فتشهد المسبب ولا تهمل السبب ولتوضيح هذه الحقيقة نسوق هذه الأمثلة : -
إن الله تعالى هو وحده خالق البشر ، ومع ذلك فقد جعل لخلقهم سبباً عادياً وهو التقاء الزوجين وتكوين الجنين في رحم الأم وخروجه منه في أحسن تقويم .
إن الله تعالى هو وحده المميت ، ولكن جعل للإماته أسباباً ، وهو ملك ألم - وت ، فإذا لاحظنا المسب - ب قلنا :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
« 1 » ، وإذا قلنا فلان قد توفاه ملك الموت لا نكون قد أشركنا مع الله إلهاً آخر لأننا لاحظنا السبب كما بينه الله تعالى في قوله تعالى :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
« 2 » . وكذلك فإن الله تعالى هو الرزاق ، لكنه جعل للرزق أسب - اباً كالتجارة والزراعة ، فإذا لاحظنا المسبب أدركنا قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
« 3 » ، وإذا لاحظنا السبب بمعرض التوحيد وقلنا فلان يُرزق من كسبه ولا نكون بذلك قد أشركنا ، فرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول :
ما أكل أحد طعام قط خيراً من أن يأكل من عمل يده
« 4 » ، وقد جمع الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم بين النظرتين
هامش
( 1 ) - الزمر : 42 .
( 2 ) - السجدة : 11 .
( 3 ) - الذاريات : 58 .
( 4 ) - صحيح البخاري ج 2 ص 730 .