تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
مستغيثاً به عن بعد إذا شاء الله ذلك ؟ اللهم بلى ، فبمشيئته تعالى كل شي جائز وممكن . ومن ذلك ما أخرجه أبو نعيم عن عمر بن الحارث قال : ( بينا عمر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة وقال يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثاً ، ثم أقبل على خطبته ، فقال بعض الحاضرين : لقد جن إنه لمجنون ، فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه فقال : أنك لتجعل لهم على نفسك مقالا ، بينما أنت تخطب إذ أنت تصيح يا سارية الجبل ، أي شيء هذا ؟ قال : إني والله ما ملكت ذلك ، رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قل - ت : يا سارية الجبل ، ليلحقوا بالجبل . فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه : إن القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة سمعنا منادياً ينادي يا سارية : الجبل مرتين ، فلحقنا بالجبل ، فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله وقتلهم ) « 1 » . فهذا نص صريح وقطعي أيضا في أن الله تعالى قد أكرم الخليفة الثاني بأن جعله يرى ما يحصل في نهاوند وهو في الحجاز ، وأن يدرك سارية وجيشه إلى الجبل فيعينهم . . ترى يا منكري الكرامات والإغاثة الروحية كيف تفسرون هذه الحقيقة ؟ بل كيف تؤولونها ؟ نظر تطوى له الحدود والمسافات فيرى البعيد قريباً ، وسمع تضمحل أمامه الحواجز والغشاوات فيسمع النداءات والاستغاثات ، وصوت يقطع الأجواء والفضاءات ليجيب الاستعانات . إن الذي يريد أن يؤول هذا النص أو غيره لهو كمن يريد أن يحجب ضوء الشمس بالغربال فلا شك أنه من حزب الشيطان . فهذه لمحة عن المدد الروحي والقوة الروحية التي يكرم الله تعالى بها عباده الصالحين ، فهو سبحانه مصدرها الحقيقي وليس للعبد فيها إلا الوساطة تكريماً له .

الوسيلة بين السبب والمسبب

يتضح مما تقدم أن المؤمن لابد أن تكون له في جميع أحواله نظرتان : - النظرة الأولى : نظرة توحيد لله عز وجل بأنه وحده مسبب الأسباب والفاعل المطلق
هامش
( 1 ) - أخرجه البيهقي وأبو نعيم وابن عساكر وغيرهم ، انظر كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي ص 101 .