ولكل وجه من هذه الوجوه أدلته الثابتة من الكتاب والسنة والإجماع ، فأما حكم الأمرين الأول والثاني ، فيكفي لبيان ثبوتهما أن ننقل إجماع العلماء المتقدمين على لسان الإمام تقي الدين السبكي حيث قال : اعلم إنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى ، وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين من المسلمين ، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن تيمية فتكلم على ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء إلا غمار ، وابتدع ما لم يسبق في سائر الأعصار ، وحسبك أن إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل قول لم يقله عالم قبله ، وصار به بين أهل الإسلام مُثْلَةً ، وقد وقفت له على كلام طويل في ذلك ، رأيت من الرأي القويم أن أميل عنه إلى الصراط المستقيم ، ولا أتتبعه بالنقض والابطال ، وأقول : إن التوسل بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم جائز في كل حال ، قبل خلقه ، وبعد خلقه ، في مدة حياته في الدنيا ، وبعد موته ، في مدة البرزخ وبعد البعث ، في عرصات القيامة والجنة ، وكيف يحل لمسلم أن يتجاسر على منع هذا الأمر العظيم الذي لا يرده عقل ولا شرع ؟ ! وليس هذا المعنى مما تختلف فيه الشرائع حتى يقال : إن ذلك شرع من قبلنا ، فإنه لو كان ذلك مما يخل بالتوحيد لم يحل في ملة من الملل ، فإن الشرائع كلها متفقة على التوحيد ، فإنه لاشك أن للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قدراً عن - ده ومن أنكر ذلك فق - د كفر ، فمتى قال : أسألك بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلا شك في جوازه ، وكذا إذا قال بحق محمد صلى الله تعالى عليه وسلم « 1 » .
ويقول الشيخ أحمد زيني دحلان : « إن مذهب أهل السنة والجماعة صحة التوسل وجوازه بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حياته وبعد وفاته وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين ( صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ) ، وكذا بالأولياء والصالحين كما دلت عليه الأحاديث ، لأنا معاشر أهل السنة لا نعتقد تأثيراً ولا خلقاً ولا إيجادا ولا إعداما ولا نفعاً ولا ضراً إلا لله وحده لا شريك له » « 2 » .
وأما إجماع المتأخرين فننقله على لسان رئيس رابطة علماء العراق الشيخ العلامة عبد
هامش
( 1 ) - الإمام تقي الدين السبكي - شفاء السقام في زيارة خير الأنام ( بيروت ) ، ص 153156 ، بتصرف .
( 2 ) - الشيخ أحمد زيني دحلان - مصباح الأنام وجلاء الظلام - ص 181 .