مدبر غير الله ، ومهما تصور في وهمك فالله تعالى بخلاف ذلك .
وسئل الجنيد عن التوحيد الخاص . فقال : أن يكون العبد شبحاً بين يدي الله تبارك وتعالى تجري عليه تصاريف تدبيره ، في مجاري أحكام قدرته ، في لجج بحار توحيده بالفناء عن نفسه ، وعن دعوة الحق له وعن استجابته لحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه . ( وذلك إنما يكون ) بذهاب حسه ، وحركته لقيام الحق له فيما أراد منه .
و ( التوحيد أيضاً ) أن يرجع آخر العبد إلى أوله : فيكون كما كان قبل أن يكون .
وقال رجل للشبلي : أخبرني عن توحيد مجرد بلسان حق مفرد .
فقال : ويحك ، من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد . ومن أشار إليه فهو ثنوي . ومتى أومأ إليه فهو عابد وثن . ومن نطق فيه فهو جاهل . ومن سكت عنه فهو غافل . ومن أوهم أنه ( إليه ) واصل فليس له حاصل . . . ومن تواجد ( فيه ) فهو ناقد . وكل ما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم ، فهو مصروف ، مردود إليكم ، محدث ، مصنوع مثلكم .
هذا وقد ظهرت فكرة التوحيد ، في حقول المعارف الصوفية قبل ابن عربي ، بصورتين كانتا تعبيراً صادقاً لأحوال رجال التصوف في شؤونهم الوجدانية وأذواقهم الروحية .
فهناك أولًا ما يمكن تسميته ( بالوحيد الإرادي ) : وهو إدراك للوحدة الإلهية ووعي بها في مستوى الإرادة ، وصاحب هذا المقام ، تذوب إرادته في إرادة الله وفي هذا التسامي بإرادة العبد في إرادة الرب يتحقق الكمال للإنسان في أسمى صوره ومعانيه .
ثم هناك ( التوحيد الشهودي ) وهو تحقق بالوحدة المطلقة في ذرى المشاهدة والتأمل ، والذي يميز هذا اللون من التوحيد عن نظيره الأول . هو أن الحقيقة الإلهية لا تظهر في هذا المقام في مظهر ( أمر ونهي ) و ( شريعة وقانون ) يخضع لها العبد وتتلاشى إرادته فيها ، بل تتجلى في ( صورة ذات مقدسة ) يهيم في جمالها ، ويتعشق كمالها ، ويفنى في وجودها . وكما في التوحيد الأول : فناء إرادة العبد في إرادة الرب معناه تسامي الإرادة البشرية إلى قمة الإرادة الإلهية ، كذلك الشأن في التوحيد الشهودي : ان فناء وجود العبد المعنوي في
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 266
مساهمون: الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
ص٢٦٦