ولئن فشلت نظرية الاعتزال في التوحيد في دائرة الإلهيات ، فقد كتب لها النجاح تماماً في دائرة الاجتماعيات والأخلاقيات . إذ أن مقالتهم في ( العدل ) . . وهي متفرعة عن ( التوحيد ) كانت أساساً لرأيهم المتعلق بحرية الإنسان وتبعاته الدينية .
وكما أعطى التوحيد اسمه للمعتزلة . نرى كذلك أن الحركة السلفية قائمة في الواقع على فكرة التوحيد . والتوحيد عند علماء السلف هو عقيدة وعبادة : وهذا هو الجانب الإلهي فيه . كما هو في الوقت نفسه أيضاً . سلوك فردي ، ومعاملة اجتماعية ، وهذا هو الجانب الإنساني فيه . فالتوحيد هو مبدأ إلهي وإنساني ، وفكرة دينية ، وزمنية في آن معاً . والتوحيد في نظر ابن تيمية ، ذو مظاهر أو حقائق ثلاثة :
المظهر الأول للتوحيد : هو ما يسميه بتوحيد الألوهية وهذا اعتراف بالوحدة الذاتية للإله الحق ، وإيمان عميق بها . والمسلم في هذا الموطن مكلف بأن ينفي الألوهية عما سوى الله .
أما المظهر الثاني للتوحيد فهو : توحيد الربوبية ، وهذا إقرار من العبد بوحدة الربوبية أي وحدة الذات الإلهية في الخلق والتسوية والتقدير والهداية . فكما أن التوحيد الأول يفرد الحق بالوجود المطلق ويخصه بالألوهية ، فكذلك هذا التوحيد يفرده بالربوبية ويخصه بكمال الإبداع والإرشاد . فلا إله إلا الله : هذا توحيد الألوهية ، ولا خالق ولا مرشد سواه : وهذا توحيد الربوبية .
والمظهر الأخير للتوحيد : هو توحيد العبودية : وهو أن يسلم المرء ذاته لله رب العالمين فلا يعبد سواه ولا يتقرب إلا إليه .
ولكن إذا كان التوحيد عند المعتزلة هو مشكلة لاهوتية وأخلاقية ، وعند السلفية مشكلة دينية واجتماعية . فهو في نظر الصوفية مبدأ روحي .
سئل ذو النون المصري عن التوحيد ما هو ؟
فقال : هو أن تعلم أن قدرة الله في الأشياء بلا مزاج ، وصنعه للأشياء بلا علاج ، وعلة كل شيء صنعه . ولا علة لصنعه . وليس في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 265
مساهمون: الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
ص٢٦٥