ولتقريب مفهوم الحيرة هنا نعطي مثلًا من قبيل التجوز : إذا نظرنا إلى أسفل من مكان مرتفع نشعر بدوار . كذلك الحيرة دوار عقلي نتج عن محاولة تتبع التجليات الإلهية على اتساعها ، فاتساع التجلي علم ولكنه أدى بالخلق إلى ( الدوار ) أي الحيرة ، وبذلك تكون الغاية التي يصل إليها العالم بالله والعارف لوجه الحق في كل تجل هو هذا الدوار أي هذه الحيرة ( إذ إن الاتساع للفكر والعقل كالعمق للنظر إن جاز التعبير ) .
ونلحظ من هذا التعريف الفرق بين الحيرة والعلم ، فبينما العالم يحيط بالعلم نجد الحيرة تحيط بالحائر ، فالحائر غارق في بحر العلم ، لكن هذا الغرق لا يغيبه عن إدراك توالي التجليات الإلهية ، يقول ابن عربي :
« ثم تتوالى عليه ( على الفرد من طائفة أهل اللَّه ) التجليات باختلاف أحكامها فيه . . . فيزيد حيرة لكن فيها لذة . . . فكانت حيرتهم ( الطائفة ) باختلاف التجليات أشد من حيرة النظار في معارضات الدلالات ، فقوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم : ( زدني فيك تحيراً ) « 1 » طلب لتوالي التجليات عليه ، فمن وصل إلى الحيرة . . . فقد وصل . . . » « 2 » .
« فليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، وذلك هو الفضل المبين .
أقول له : أنت .
يقول لي : أنت .
أقول له : فأنا .
يقول لي : لا بل أنا .
فأقول له : فكيف الأمر ؟
فيقول : كما رأيت .
فأقول : فما رأيت إلا الحيرة ، فلا تحصيل مني ولا توصيل منك .
فيقول : قد أوصلتك .
هامش
( 1 ) أورده الغزالي في مدخل السلوك بلفظ ( اللهم زدني فيك تحيراً ( ص 77 ، وذكره الشيخ ابن عربي في فتوحاته المكية .
( 2 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 1 ص 272 .