صنف يقول : عين الحق هو المتجلي في صور الممكنات .
وصنف آخر يقول : أحكام الممكنات ، وهي الصور الظاهرة في عين الوجود الحق ، وكل قال ما هو الأمر عليه . ومن هنا نشأت الحيرة في المتحيرين ، وهي عين الهدى في كل حائر فمن وقف مع الحيرة حار ، ومن وقف مع كون الحيرة هدى وصل » « 1 » .
يظهر من هذا النص علو المكانة التي برزت فيها الحيرة ، فهي النهاية التي وصل إليها الصنف الرابع القائل بوحدة الوجود ، هذا الصنف يقسم قسمين :
أحدهما : يرى أن الحق هو المتجلي في صور الممكنات .
والثاني : يرى أن الصور هي الظاهرة في عين الوجود الحق ، وكل قسم منهما على حق .
إذن الحيرة نبعت من أن الأمر يجمع الأضداد ، وهذا يشبه إلى حد بعيد جواب الخراز حين سئل : بم عرفت ربك ؟
فقال : بجمعه بين الضدين . . . فاجتماع الأضداد يؤدي إلى الحيرة ، ولكنها حيرة عين العلم ، كما في جملة الخراز : ( عرفت ) إذن حيرة عرفان ( لأنها موقف مع كون الحيرة لا مع الحيرة نفسها ) .
نستطيع الآن أن نورد تعريفاً للحيرة عند الشيخ الأكبر ، بعد ما كشفنا مكانتها . فنقول :
الحيرة : هي الغرق في بحار العلم بالله ، مع دوام النظر إلى توالي تجلياته ، ومعرفته في كل تجل - وهي الغاية التي إليها ينتهي النظر العقلي والشرعي وكل سلوك في طريق المعرفة بالله .
إن مفهوم الحيرة الذي يتبادر إلى الذهن هو إبهام يستشف منه ضلال ، لكن ابن عربي وضع الحيرة لا في مصاف العلم بل هي ( فرط ) العلم ، فمن فَرْطِ العلم حارَ الحائر ، لذلك كان التعريف : أنها غرق في بحار العلم .
هامش
( 1 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 4 ص 42 - 43 .