وهذا يدعونا - على هامش هذا الكلام - إلى إعادة النظر في تباين أقوال المشايخ على المقام الواحد ، إذ كل واحد منهم يحد المقام حداً ذوقياً غير كامل ، وعليه فإن ابن عربي عندما يستخرج الحد الذاتي للمقام ( ( الموضوعي ) فإنما تكون حالته الذوقية له قد وصلت إلى أقصى درجات الذروة من الفناء فيه ، مما يكسبه أهلية الوصف بالحد الذاتي على حد تعبيره ، أما في ما يتعلق برؤيته الأنطولوجية للأحوال والمقامات ، فيمكن حصرها في
أصلين :
الأول : يبنيه على الآية : (
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
) « 1 » وبيانه في قوله : « اعلم أن الحال نعت إلهي من حيث أفعاله وتوجهاته على كائناته . . . قال تعالى عن نفسه : (
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
) . . . فهو فيه [ اليوم ] في شؤون على عدد ما في الوجود من أجزاء العالم . . وتلك الشؤون أحوال المخلوقين لوجودها فيهم . . والأحوال أعراض تعرض للكائنات من اللَّه ، يخلقها فيهم ، عبّر عنها بالشأن الذي هو فيه دنيا وآخرة . هذا أصل الأحوال الذي يرجع إليه في الإلهيات » « 2 » .
وبناءً على هذا الأصل يتضح معنى قوله : « وإن كانت الواردات الإلهية لا تتناهى ، فالأحوال بلا شك تتناهى » « 3 » . والواردات الإلهية هي الأحوال عينها ، لأنها مواهب وليست مكاسب ، فلا يمكن إذن حصرها بعدد ، لأنها دائمة التجدد بتجدد أنفاس
الموجود . ولكن هل هذا يوجب على ابن عربي عدم تسمية أحوال بعينها فتكون محصورة العدد ؟
والحق أنه لم يتقيد بهذا الوجوب ، فذكر أعداداً منها ، ولا سيما المتداولة في كتب القوم ، وشرحها . وإن ذكره عدداً منها ، لا يستنتج منه القول بالحصر ، بقدر ما هو للتمثيل بناءً على ما تقدم من كلامه وقد علّق ما يقارب الأربعين حالًا ، منها :
هامش
( 1 ) الرحمن : 29 .
( 2 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 384 - 385 .
( 3 ) الشيخ ابن عربي - ترجمان الأشواق - ص 21 .