ولكنها الفائدة التي تضمحل في عباب فكره وأصالة رأيه . وقد عمل الشيخ على تحرير الأحوال والمقامات من أسر أفقها التقليدي المحدود ، ونقلها إلى أفق واسع رحيب ، بحيث تفسر تفسيراً أنطولوجياً موصولًا بالوجود الحق نفسه ، مما يتعسّر على الباحث ، بل يكاد يستحيل حصر الأحوال والمقامات في عدد معين « 1 » نظراً لهذا الربط .
كتب ابن عربي في قوله تعالى حكاية عن الملائكة : (
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
) « 2 »
« وهكذا كل موجود ما عدا الثقلين ، وإن كان الثقلان أيضاً مخلوقين في مقامهما ، غير أن الثقلين لهما في علم اللَّه مقامات معينة مقدّرة عنده ، غُيّبت عنهما ، إليها ينتهي كل شخص منهما بانتهاء أنفاسه ، فآخر نفس هو مقامه المعلوم الذي يموت عليه » « 3 » .
وقبل الاسترسال في تفاصيل رؤية ابن عربي الأنطولوجية لنظام الأحوال والمقامات ، يجدر التنبيه إلى أنه يوافق السلف آراءهم ، وهو في أغلب الأحيان يعرضها أولًا ، وقد يعقّب باستدراك معين أو يوضح مبهماً ، ثم ينتقل إلى معاينته الخاصة ، ويبسطها في ضوء فلسفته .
يقول : « ولشيوخنا في هذا المقام حدود ، أذكر منها ما تيسر ، وأبين عن مقاصدهم فيها بما يقتضيه الطريق ، وهكذا أفعل إن شاء اللَّه في كل مقام إذا وجدنا لهم فيه كلاماً ، على أنهم إذا سئلوا عن ماهية الشيء لم يجيبوا بالحد الذاتي ، لكن يجيبون بما ينتج عن ذلك المقام فيمن اتصف به ، فعين جوابهم يدل على أن المقام حاصل لهم ذوقاً وحالًا » « 4 » .
وقوله : « إذا سئلوا عن ماهية الشيء لم يجيبوا بالحد الذاتي » يدل على أن ابن عربي كان معنياً باستخراج أحكام المقامات من خلال حدودها الذاتية ، وبما هي عليه ، لا بما تعطيه الحالة الذوقية بالنظر إلى صاحب المقام فحسب ، لأنها بهذا النظر الأخير لا تدل بالضرورة على الحد الذاتي للمقام نفسه .
هامش
( 1 ) يرى أحد الباحثين المعاصرين أن المقامات والأحوال عند الشيخ بلغت ستين ألفاً . انظر : طه عبد الباقي سرور - محيي الدين بن عربي ، ص 28 . ويذكر هذه المعلومة دون إحالة .
( 2 ) الصافات : 164 .
( 3 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 1 ص 258 - 259 .
( 4 ) المصدر نفسه - ج 2 ص 143 .