ولعل كل من لم يذكر تصنيفاً للأحوال ، اعتمد في ذلك على أن أصل الطريق مبني على الأمر والنهي ، أي على المقامات ، فكل مأمور به أو منهي عنه مقام ، كما سلف ذكره عند ابن عربي .
فإذا ما تجاوزنا القرن الخامس ، ألفينا السلمي يتكلم عن المقامات والأحوال كلاماً يبين معانيهما ، ويستجلي أقوال السلف فيها دون أن يعنى بتصنيفها ، على أنها لا تختلف عما أثر عند سابقيه .
وكذلك فعل القشيري في رسالته ، ولعله اقتفى آثار أستاذه السلمي ، فلم يعمل على الفصل بين الأحوال والمقامات بقدر ما عمل على شرحها واستجلاء مضامينها « 1 » .
وفي النصف الثاني من القرن الخامس قام الفقيه الحنبلي الصوفي شيخ الإسلام عبد اللَّه الأنصاري الهروي بنقلة نوعية في تصنيف الأحوال والمقامات ، وتنظيمها فجعلها في مائة منزل أو مقام ، موزعة على عشرة أقسام ، هي على الترتيب :
قسم البدايات ، وقسم الأبواب ، وقسم المعاملات ، وقسم الأخلاق ، وقسم
الأصول ، وقسم الأدوية ، وقسم الأحوال ، وقسم الولايات ، وقسم الحقائق ، وقسم النهايات .
وفي كل قسم يذكر من المقامات والأحوال ما يناسب موضوع تسميته ، بصرف النظر عن كونه حالًا أو مقاماً .
فلو أخذنا قسم البدايات مثلًا ، نجد أنه يفتتحه باليقظة وهي حال ، ثم ينتقل منها إلى التوبة وهي مقام ، ويختمه بالسماع .
كذلك في قسم الأبواب ، يبدؤه بحال الحزن ، ويعطف عليه بالخوف ، ويختتمه بالرغبة .
فإذا انتقلنا إلى قسم الأحوال ألفيناه من تسميته يشتمل على الأحوال ، فيبدأ بالمحبة وهي حال ، وينتهي بالذوق وهكذا .
هامش
( 1 ) الإمام القشيري - الرسالة القشيرية - ص 91 - 350 .