مع أن هناك شخصيتين مهمتين تكلمتا في الأحوال والمقامات بالمعنى الصوفي قبل ذي النون ، وقد أغفلهما المحدثون ، ربما من غير قصد ، أو بتأثير من مقولة نيكلسون .
وأغفل القدماء واحداً منهما ، وذكروا الآخر في مجال الريادة والأولوية .
وأولى هاتين الشخصيتين هو شقيق البلخي . يقول عنه السلمي : « وأظنه أول من تكلم في علوم الأحوال بكور خراسان » « 1 » . ويأخذ بهذه الإشارة أغلب من ترجم لشقيق البلخي ، وعليه يكون ذو النون المصري مسبوقاً بشقيق ، المتوفي قبله بإحدى وخمسين سنة ، على الأقل في مجال الحديث عن الأحوال .
وأما الشخصية الأخرى التي يبدو أنها أغفلت إغفالًا تاماً ، قديماً وحديثاً ، في أولية الكلام في الأحوال والمقامات لا التصوف بعامة ، فهو الحارث بن أسد المحاسبي المتوفى سنة ( 243 ) ه أي قبل ذي النون بسنتين .
وبناءً على استقراء عام لتراث المحاسبي المطبوع ، ولا سيما ( رسالة المسترشدين ) تبين أنه صنف في نظام الأحوال والمقامات بما لم يسبق بمثله في حدود ما نعرف ، وفي ضوء المصادر المتاحة .
وما يؤكد هذا الزعم ، أن المحاسبي رتب الأحوال والمقامات ترتيباً خاصاً يعتمد السبّر والتقسيم ، والتنظيم والتقعيد ، لا مجرد إشارات عابرة ، أو غير منظمة ، وما جاء في رسالته خير دليل على ذلك . يقول : « واعلم رحمك اللَّه أن الصدق والإخلاص ، أصل كل
حال ، فمن الصدق يتشعب : اليقين ، والخوف ، والمحبة ، وفيه الحياء . وقوة كل حال وضعفه بحسب إيمان العبد ومعرفته ، ولكل أصل من هذه الأحوال ثلاث علامات يعرف بها الحال » « 2 » . ثم يأخذ في الكلام على علامات كل مقام وحال .
فإن كان لابد من الإشارة إلى ريادة ذي النون ، فالأولى تقديم المحاسبي . فيقال : أن المحاسبي وذا النون هما أول من تكلم في ترتيب الأحوال والمقامات .
هامش
( 1 ) الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي - طبقات الصوفية - ص 61 .
( 2 ) الشيخ الحارث المحاسبي - رسالة المسترشدين - ص 234 .