والسالك لابد له من إشارة إلهية مشعرة باستحقاقه للترقي في المقام التالي للمقام الذي هو فيه ، وهذه الإشارة لا تعدو كونها حالًا ، وهنا تظهر ميزة نعت الحال بأنه موهبة من اللَّه ، ويُظّن في استكناه هذه الإشارة أو هذا الحال ، أنه استشعار داخلي ، تمليه حساسية الروح التواقة إلى العلو ، بعد أن استكملت اختبار المقام المراد الانتقال منه وبه ، فتبدأ الروح بالنبض استعداداً لاستقبال إشارات الغيب ، وإذ يتم التلاقح بينهما ، يدرك الصوفي المراد منها وتطمئن نفسه إلى منازلة المقام الجديد . والى هذا النوع من الأحوال يشير السهروردي البغدادي في سباق توجيهه كلام بعض الصوفية بقوله : « وقال بعضهم : لا يكمل المقام الذي هو فيه إلا بعد ترقية إلى مقام فوقه ، فينظر من مقامه العالي إلى ما دونه من المقام فيحكم أمر مقامه ، والأولى أن يقال ، واللَّه أعلم : الشخص في مقامه يعطى حالًا من مقامه الأعلى الذي سوف يرتقي إليه ، فبوجدان ذلك الحال يستقيم أمر مقامه الذي هو فيه » « 1 »
وثمة أمر آخر ينبه له في سياق بحث العلاقة بين الأحوال والمقامات ، يقوم على بنية المثاني الضدية للأحوال « 2 » ، كما أخبر عنها أبو علي الروذباري لدى حديثه عن الخوف والرجاء ، ذلك أن حقيقة العلاقة الجدلية القائمة بين هذين الحالين تنتج بالضرورة عنصراً ثالثاً ، هو ما يمكن تسميته بالطاقة النفسية المحركة التي تدفع السالك إلى الترقي ، وهي باقية معه بتناوب الحالين . وقد عبر أبو علي الروذباري عن ذلك بتشبيهه المصيب في قوله : « الخوف والرجاء كجناحي طائر ، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه ، وإذا نقص أحدهما وقع في النقص ، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت » « 3 » .
وتنطبق هذه المقولة أيضاً على بقية الأحوال كالقبض والبسط والهيبة والأنس ، والصحو والسكر ، والفناء والبقاء ، والقرب والبعد ، والاتصال والانفصال ، والوجد والفقد . . .
هامش
( 1 ) الشيخ عمر السهروردي - عوارف المعارف ( ملحق بكتاب إحياء علوم الدين للغزالي - ج 5 ) - ص 301 .
( 2 ) انظر بحث د . أديب نايف ذياب ، جدل الأضداد في الأحوال والمقامات الصوفية ، دراسات الجامعة الأردنية ، مج 13 ، ع 3 نيسان 1986 ، ص 195 - 214 .
( 3 ) ابن قيم الجوزية - مدارج السالكين - ج 2 ص 37 .