يقول ابن عربي : « إن الكامل كلما علا في المقام نقص في الحال ، أعني في الدنيا . . . كذلك المقام يذهب بالأحوال ، لأن الثبوت مقابل الزوال » « 1 » .
فالعلاقة كما تبدو علاقة تناسب عكسية ، والمطلوب هو ما يثبت لا ما يزول ، فكأن المقامات جواهر ، والأحوال أعراض ، وإن دل هذا الاستقراء للسلوك الصوفي على شيء فإنما يدل على استبصار دقيق لحقيقة الشريعة بوصفها تكليفاً ، وقد قال ابن عربي فيما تقدم أن المقام كل مأمور به ، فهو مكتسب ، وبذلك تبرز قيمة ملحوظة لعلاقة التناسب العكسية بين الأحوال والمقامات ، فالأحوال زاد الطريق ، والمقامات منازلها ، وكلما تقدم السالك نقص الزاد فيضطر إلى التزود بزاد جديد لكل منزل ينزل فيه . . . وهكذا ، إلى أن يضرب قبته إزاء العرش ، حيث الراحة الأبدية .
وخلاصة القول : إن الطريق الصوفي ما هو إلا إقامة صورة الشريعة في أوامرها ونواهيها ( ( كل مأمور به ( المقامات ) ظاهراً وباطناً ، وإن شئت قلت ، التحقق بمقامات التصوف على أكمل وجه ممكن .
أول من تكلم في المقامات والأحوال ( من البداية حتى القرن الثالث الهجري )
على الرغم من أن محاولة تحديد أول من تحدث عن الأحوال والمقامات بالمفهوم الصوفي قد تبدو عسيرة المنال ، فإن ذلك لا يسوغ لنا القفز عن هذا الأمر أو إغفاله ، فقد التفت إليه القدماء أنفسهم ، وأدلى بعضهم برأيه فيه ، وتابعهم المحدثون على ذلك .
ولعل الاهتمام به من كلا الطرفين نابع من محاولة تأصيلية لظاهرة التصوف الإسلامي ، وبخاصة في ركنيها الأساسيين ، الأحوال والمقامات .
ومنذ أن كتب نيكلسون أن ذا النون المصري هو المؤسس الحقيقي للتصوف الإسلامي اعتماداً على ما أورده ابن تغري بردي من أنه : « أول من تكلم ببلده في ترتيب الأحوال والمقامات » « 2 » غدا من المسلّم به أن ذا النون المصري هو رائد هذا المجال ، وتابعه على ذلك جمهور المحدثين ممن تناول تاريخ التصوف .
هامش
( 1 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 319 .
( 2 ) ابن تغري بردي - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - ج 2 ص 383 .