ومن المعلوم أن الوجود الثنائي للأضداد بعامة مرتبط بإمكانية المعرفة نفسها أي بقابلية الحقائق ، لأن تدرك فالشيء يعرف بنقيضه ، وبجدل النقيضين تنمو المعرفة .
وهذا الوصف يدل على اشتمال نظام الأحوال والمقامات على نسق معرفي موضوعي لا ذاتي فحسب .
ولقد أفاد من هذه المثاني الضدية فيما بعد ، الصوفي الكبير نجم الدين الكبرى ، فأسس نظام الأحوال والمقامات بوحي من فكرة المثاني ، وذهب في قوله إلى أن : « الحال بمنزلة الجناحين للطير ، والمقام بمنزلة الوكر له . ولا بد للسيارين من قوتين مختلفتين في حالة واحدة ، سواء أكان السيار مبتدئاً أو متوسطاً أو منتهياً .
والمبتدأ : طفل الطريق ، والمتوسط : كهل الطريق ، والمنتهي : شيخ الطريق .
فجناحا الطفل : الخوف والرجاء .
وجناحا الكهل : القبض والبسط .
وجناحا الشيخ : الأنس والهيبة .
ومنهما يترقى إلى جناحي المعرفة والمحبة والفناء والبقاء ، والوصل والفصل ، والصحو والسكر ، والمحو والإثبات » « 1 » .
وتأسيس النظام على هذا النحو ، يبدي فهماً عميقاً للعلاقة بين الأحوال والمقامات ، والدور المحرض الذي تؤديه الأحوال في أثناء السير فضلًا عما تقوم به من خلق توازن شعوري بين حالتي السلب والإيجاب النفسيتين ، بحيث يظل السالك يتردد بينهما دون الوقوع تحت تأثير إحداهما ، فيؤدي به إلى النكوص .
بقي أن يشار إلى فكرة أصيلة ذكرها ابن عربي في علاقة الأحوال بالمقامات وهي - فضلًا عن كونها علاقة - تكشف عن حقيقة أن الهدف من الطريق هو المقامات لا
الأحوال .
هامش
( 1 ) الشيخ نجم الدين الكبرى - فوائح الجمال وفواتح الجلال - ص 186 - 187 .