وعلينا أن نفهم صدر البيت الثالث على أنه دوام من باب ( حلّ يحلّ ) بالمكان ، لا من ( حال يحول ) ، وقد عرفنا أن المراد بدوام الحال عند الشيخ توالى الأمثال ، فكأنه استعمل كلمة دائم استعمال الأضداد .
علاقة المقام بالحال
إن الحديث عن المقام والحال لا يكون بعزل أحدهما عن الآخر ، لارتباطهما مع بعضهما بعلاقات ذات طبيعة جدلية ، فالمقامات وإن كانت تختلف عن الأحوال ، إلا أن العلاقة بينها موصولة بسببين :
الأول : أن هناك أحوالًا مؤقتة كاللوامع والبوارق ، تتقدم مقامات من جنسها ، فهي أحوال ممهدة .
والآخر : إن المقامات تنتج أحوالًا .
وبناءً على تحليل السهروردي البغدادي للعلاقة بين الحال والمقام ، فإن اشهر المقامات المتعارف عليها عند الصوفية تدخل في السبب الأول وهو الأحوال الممهدة ، بل يشترط سبق الحال للمقام .
يقول السهروردي : « فلا مقام إلا بعد سابقة حال ، ولا تفرد للمقامات دون سابقة
الأحوال » « 1 » .
فمقام التوبة يبدأ بحال من أحوال التنبه واليقظة وزجر النفس ، وهذه كلها هبات من اللَّه عزّ وجلّ يلقيها في قلب العبد عناية منه به ، فلا يزال العبد يتجاذبه طرفا واليقظة وهوى النفس ، حتى تغلب عليه واليقظة فيرجع ويتوب ، وإذا ثبت على التوبة واستقر أمره فيها صارت له مقاماً . . . وهكذا في بقية المقامات كالزهد والتوكل والرضا « 2 » .
وبما أن الأحوال تغيرات وجدانية ذات تأثير بالغ في النفس فإنها تقوم بدور المحرض الذي يدفع السالك نحو الترقي والعروج صعوداً في سلم المقامات ، فهذا فضلًا عن دورها
هامش
( 1 ) الشيخ عمر السهروردي - عوارف المعارف ( ملحق بكتاب إحياء علوم الدين للغزالي - ج 5 ) - ص 302 .
( 2 ) المصدر نفسه - ص 301 .