وعليه فيمكن الانتهاء إلى نتيجة مفادها : أن بعض الأحوال قد تتحول إلى مقامات ، لا كل الأحوال ، وفي ضوء ذلك يقال في الخلاف على مقام الرضا : إن بدايته موهوبة ، أي حال ، ونهايته مكتسبة ، أي مقام ، خلافاً لما ذهب إليه القشيري .
أما ابن عربي فإنه ينظر إلى مسألة الأحوال والمقامات نظرة تحليلية تتصف بالشمول والإحاطة ، فهو أولًا يتبع آراء أسلافه في قولهم : أن الحال مؤقت وموهبة ، ويزيد على ذلك بكشفه الخلاف الحاصل عند الطائفة في دوامه أو عدمه ، وذلك بوساطة الكيفية التي يصف بها الحال من حيث تعلقه بالزمن ، فابن عربي يرى أن الحال شرطه الزوال ، أي عدم الثبات وعدم الدوام ، وهذا أصل في الحال ، ولا يختلف عليه من هذه الوجهة ، إلا أن هذا الأصل قد آخترم بالقول بدوام بعض الأحوال كما تقدم ، أي بانتفاء صفة الزوال عنه ، ولعل الأمر الملبس في هذا السياق هو فهم السلف لكلمة ( دوام ) ، أو ما يرادفها على أنها تعني استمرار الحال الواحد الذي يرد على السالك ، دون أن يدركوا أنه مجموعة من الأحوال المتشابهة التي تقاربت وتوالت ، بحيث أصبحت يردف بعضها بعضاً في الورود فاتصلت وصارت كالخيط الواحد الممتد ، وهي في حقيقة الأمر مجموعة من الأحوال المتماثلة لا حال واحد ، فيأتي الأول ثم يزول ، ويعقبه الثاني فيزول . . . وهكذا دواليك .
وإذا رجعنا إلى تعريف ابن عربي للحال ألفيناه يقول : « الحال هو ما يرد على القلب من غير تعمل ولا اجتلاب ، ومن شرطه الزوال ، ويعقبه المثل بعد المثل إلى أن يصفو ، وقد لا يعقبه المثل ، ومن هنا نشأ الخلاف بين الطائفة في دوام الأحوال ، فمن رأى تعاقب الأمثال ولم يعلم أنها أمثال ، قال بدوامه ، واشتقه [ الحال ] من الحلول ، ومن لم يعقبه مثل ، قال بعدم دوامه واشتقه من حال يحول إذا زال » « 1 » .
وقول ابن عربي بتعاقب الأمثال يحل لنا مشكلة التعارض من أصلها ، مع مراعاة مسألة مهمة يمكن استنتاجها ، وهي أن ابن عربي يحافظ على استعمال كلمة ( حال ) في كلا النوعين ، أي أن تعاقب أمثال الحال الواحد ، وخروجه عن صفة الزوال في الظاهر لصالح
هامش
( 1 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 132 .