تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
ورأي المحاسبي هذا يقف على الطرف النقيض من رأي أغلب الصوفية ، وعلى رأسهم الجنيد الذي يصف الحال بأنه « نازلة تنزل بالقلب فلا تدوم » « 1 » . وقيل : « الأحوال كالبروق ، فإذا بقيت فحديث نفس » « 2 » . فكيف نوفق بين رأيين صدرا من قمتين من قمم التصوف ، المحاسبي والجنيد ، وكلاهما يحتج بقوله في هذا العلم ؟ ! وقد يمكن حل هذا التعارض بالرجوع إلى علمين آخرين ، هما السهروردي البغدادي وابن عربي والاستئناس بتعليقاتهما في هذا المجال . فالسهروردي يرى أن مقولة : ( الأحوال كالبروق فإن بقيت فحديث نفس ) لا تكاد تستقيم أبداً ، لأن الأحوال قد تكون في بعض الأحيان كذلك ، أي خاطفة كالبروق ، أما على الإطلاق فلا . والحال عنده قد يتحول إلى مقام ، مثال ذلك أن تنقدح في باطن العبد بارقة محاسبة لنفسه ، ثم تزول بسرعة لدفع النفس لها حتى يغلب الحال وتنضبط النفس تحت حكم المحاسبة التي أصبحت الآن راسخة ومستقرة في باطن العبد ، ولذلك يصح أن تكون مقاماً له وكذلك الأمر في حال المراقبة الذي يتحول إلى مقام ، وكذلك المشاهدة « 3 » . وما يستخلص من تحليل السهروردي أن الحال يمكن تصنيفه في نوعين : الأول : المؤقت ، سريع الزوال . والآخر : طويل الأمد ، بحيث يرسخ ويتحول إلى مقام . وإن شئت قلت : أن الحال في بدايته يكون مؤقتاً ، يظهر ويختفي ، ثم يظهر بنوع من الاستمرار والتواصل ، فيمتد على مسافة زمنية طويلة إلى أن يثبت ويصير مقاماً إلا أن هذه الحالة لا يمكن تعميمها على بقية الأحوال ، فحال البسط لا يمكن تصنيفه مقاماً مهما طال زمن البسط ، وكذلك القبض أو الغيبة أو السكر . . . وغير ذلك من أحوال .
هامش
( 1 ) الشيخ أبو الحسن الهجويري - كشف المحجوب - ص 409 - 410 . ( 2 ) الإمام القشيري - الرسالة القشيرية - ص 57 . ( 3 ) المصدر نفسه - ص 300 .