تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
فهذا إنما أراد به الشاعر الاتحاد المعنوي ، كاتحاد أحد المحبين بالآخر الذي يحب أحدهما ما يحب الآخر ، ويبغض ما يبغضه ويقول مثل ما يقول ويفعل مثل ما يفعل ، وهذا تشابه وتماثل ، لا اتحاد العين بالعين ، إذا كان قد استغرق في محبوبه ، حتى فني به عن رؤية نفسه كقول الآخر :
غبت بك عني * فظننت أنك أنّي
فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ « 1 » . وقال ابن قيم الجوزية في كتابه ( مدارج السالكين ) ما نصه : « . . . الدرجة الثالثة من درجات الفناء : فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين ، وهو الفناء عن إرادة السوى ، شائماً برق الفناء عن إرادة ما سواه ، سالكاً سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه ، فانياً بمراد محبوبه منه عن مراده من محبوبه فضلًا عن إرادة غيره ، قد اتحد مراده بمراد محبوبه ، أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري ، فصار المرادان واحداً . . . وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا والاتحاد في العلم والخير ، فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحداً مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين ، فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب ، فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم ، قد فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه ، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه ، ومن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في اللَّه ، ولا يبغض إلا فيه ، ولا يوالي إلا إياه ، ولا يستعين إلا به ، فيكون دينه كله ظاهراً وباطناً لله ، ويكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ، فلا يواد من حاد اللَّه ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل :
يعادي الذي عادى من الناس كلهم * جميعاً ولو كان الحبيب المصافيا »
وحقيقة ذلك فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه تعالى وحقوقه والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللَّه علماً ومعرفة وعملًا وحالًا وقصداً ، وحقيقة هذا النفي والإثبات التي تضمنته هذه الشهادة ، هو الفناء والبقاء ، فيفنى عن تألهه ما سواه علماً وإقراراً
هامش
( 1 ) مجموع رسائل أبن تيمية - ص 52 .
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 231 | الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني