تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
مظنون بعاقل ، فضلًا عن المميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات ، ولا يظن بالعقلاء المميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة وحفظ حدود الشرع الغلط بالحلول والاتحاد ، كما غلط النصارى في ظنهم ذلك في حق عيسى عليه السلام ، وإنما حدث ذلك في الإسلام من واقعات جهلة المتصوفة ، وأما العلماء العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك . والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك ، فيطلق على المعنى المذموم الذي هو أخو الحلول ، وهو كفر ، ويطلق على مقام الفناء اصطلاحاً اصطلح عليه الصوفية ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، إذ لا يمنع أحد من استعمال لفظ في معنى صحيح . لا محذور فيه شرعاً ولو كان ذلك ممنوعا لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ الاتحاد وأنت تقول : بيني وبين صاحبي زيد اتحاد ، وكم استعمل المحدثون والفقهاء وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية ونحوية ، كقول المحدثين : اتحد مخرج الحديث ، وقول الفقهاء : اتحد نوع الماشية ، وقول النحاة : اتحد العامل لفظا أو معنىً . وحيث وقع لفظ الاتحاد مع محققي الصوفية ، فإنما يريدون به معنى الفناء الذي هو محو النفس وإثبات الأمر كله لله سبحانه ، لا ذاك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد ، وقد أشار إلى ذلك سيدي علي بن وفا ، فقال من قصيدة له :
يظنوا بي حلولًا واتحاداً * وقلبي من سوى التوحيد خالي
فتبرأ من الاتحاد بمعنى الحلول ، وقال في أبيات أخر :
وعلمك أن كل الأمر أمري * هو المعنى المسمى باتحاد
فذكر أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إذا أطلقوه هو تسليم الأمر كله لله ، وترك الإرادة معه والاختيار ، والجري على مواقع أقداره من غير اعتراض وترك نسبة شيء ما إلى غيره « 1 »
هامش
( 1 ) الشيخ جلال الدين السيوطي - الحاوي للفتاوي - ج 2 ص 134 .