وتعبداً ويبقى بتألهه وحده ، فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد الذي اتفقت عليه الرسل صلوات اللَّه عليهم وأنزلت به الكتب ، وخلقت لأجله الخليفة ، وشرعت له الشرائع وقامت عليه سوق الجنة ، وأسس عليه الخلق والأمر وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أصحاب الإرادة ، والمعصوم من عصمه اللَّه وبالله المستعان والتوفيق والعصمة .
وقال أيضاً : « وإن كان مشمراً للفناء العالي ، وهو الفناء عن إرادة السوى ، لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني ، بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد ، وهذه حقيقة المحبة الخالصة ، وفيها يكون الاتحاد الصحيح ، وهو الاتحاد في المراد ، لا في المريد ولا في الإرادة » « 1 » .
وقال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه اللَّه تعالى في كتابه ( الحاوي للفتاوي ) : « واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد ، إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد ، فإن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد ، والتوحيد معرفة الواحد والأحد ، فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشارتهم فحملوه على غير محمله ، فغلطوا وهلكوا بذلك . . . » .
فإن أصل الاتحاد باطل محال مردود شرعاً وعقلًا وعرفاً بإجماع الأنبياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين ، وليس هذا مذهب الصوفية ، وإنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من اللَّه تعالى ، فشابهوا بهذا القول النصارى الذين قالوا في
عيسى عليه السلام : اتحد ناسوته بلاهوته ، وأما من حفظه اللَّه تعالى بالعناية ، فإنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا حلولًا ، وإن وقع منهم لفظ الاتحاد ، فإنما يريدون به محو أنفسهم ، وإثبات الحق سبحانه . . . وقد يذكر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات ، وبقاء الموافقات ، وفناء حظوظ النفس من الدنيا وبقاء الرغبة في الآخرة وفناء الأوصاف الذميمة ، وبقاء الأوصاف الحميدة ، وفناء الشك ، وبقاء اليقين وفناء الغفلة وبقاء الذكر . . . وأما قول أبي يزيد البسطامي رحمه اللَّه تعالى : ( سبحاني ما أعظم شأني ) فهو في معرض الحكاية عن اللَّه ، وكذلك قول من قال : ( أنا الحق ) محمول على الحكاية ، ولا يظن بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد ، لأن ذلك غير
هامش
( 1 ) مدارج السالكين - ج 1 ص 90 - 91 .