أن يتحد مكانهما ، وذلك لا يوجب الاتحاد . فإن العلم والإرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ، ولا تتباين محالها ، ولا تكون القدرة هي العلم ولا الإرادة ، ولا يكون قد اتحد البعض بالبعض وإن كانا معدومين فما اتحدا ، بل عدما ، ولعل الحادث شيء ثالث . .
وإن كان أحدهما معدوماً والآخر موجوداً فلا اتحاد ، إذ لا يتحد معدوم بموجود ، فالاتحاد بين شيئين مطلقاً محال ، وهذا جار في الذات المتماثلة فضلًا عن المختلفة ، فإنه يستحيل أن يصير هذا السواد ذاك السواد ، كما يستحيل أن يصير هذا السواد ذلك البياض أو ذلك العلم ، والتباين بين العبد والرب أعظم من التباين بين السواد والعلم ، فأصل الاتحاد إذاً باطل .
وأما القسم الخامس وهو الحلول : فذلك أن يتصور أن يقال : إن الرب تبارك وتعالى حل في العبد ، أو العبد حل في الرب ، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين ، وهذا لو صح لما وجب الاتحاد ، ولا أن يتصف العبد بصفات الرب ، فإن صفات الحال لا تصير صفة المحل ، بل تبقى صفة للحال كما كان .
ووجه استحالة الحلول لا يفهم إلا بعد فهم معنى الحلول ، فإن المعاني المفردة إذا لم تدرك بطريق التصور لم يمكن أن يفهم نفيها أو إثباتها ، فمن لا يدري معنى الحلول ، فمن أين يدري أن الحلول موجود أو محال ؟
فنقول : المفهوم من الحلول أمران :
أحدهما : النسبة بين الجسم ومكانه الذي يكون فيه ، وذلك لا يكون إلا بين
جسمين ، فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك .
والثاني : النسبة التي بين العرض والجوهر ، فإن العرض يكون قوامه بالجوهر ، فقد يعبر عنه بأنه حال فيه ، وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه .
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 228
مساهمون: الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
ص٢٢٨