تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وواضح أن ابن سبعين لا يأخذ القرب بهذه المعاني التي يذهب إليها من سبقه من الصوفية ، إذ المقرب عنده في درجة أعلى من تلك الدرجات التي يتحدث فيها الصوفية عن مراتب وجودية متعددة ، لأن القرب والبعد عند ابن سبعين مما يشعر بالفرق وينافي الوحدة المطلقة بين الخالق والمخلوق ، فالقرب الذي في الحديث القدسي مجازي لا حقيقي عند ابن سبعين . وأما ألفاظ الحق والمحقق والحقيقة ، فهي ألفاظ كانت قد شاعت بين الصوفية قبل ابن سبعين ، إذ الصوفية يتحدثون عن علم الحقيقة الذي اختصوا به في مقابل علم الشريعة ، وهو الفقه . والمحقق عند بعضهم : هو المتحقق بمعرفة اللَّه عزّ وجلّ ، وعلمه هو علم التحقيق . ولعل الصوفية استمدوا هذا الاصطلاح من الحديث النبوي ، فقد روى الطوسي في اللمع : « . . . أما ترى أن النبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم حيث سأل حارثة فقال : لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك وبأي شيء أجابه » « 1 » . وقد عقد ابن عربي في ( الفتوحات المكية ) فصلًا عنوانه ( معرفة مقام التحقيق والمحققين ) وهو يطلق كما - يطلق ابن سبعين - لفظ المحقق والمقرب بمعنى واحد ، والمحقق أو المقرب عند ابن عربي هو المتقرب إلى اللَّه بالنوافل ، حتى يكون الحق هو جميع قواه المصرفة له ، ويكون محبوباً من اللَّه وفي ذلك يقول ابن عربي : « ومن شرط صاحب هذا المقام ( يقصد المحقق ) أن يكون الحق سمعه وبصره ويده ورجله وجميع قواه المصرفة له ، ولا يكون محبوباً حتى يكون مقرباً ولا يكون مقرباً إلا بنوافل الخيرات » « 2 » . وواضح أن ابن سبعين يذهب إلى ابعد مما ذهب إليه ابن عربي بصدد المحقق ، فالمحقق عند ابن سبعين يفوق هذا المحقق الذي وصفه ابن عربي ، وهو الذي لا يتصرف إلا بتصريف اللَّه ، لأن محقق ابن سبعين هو عين الحق فلا مُصَرِّف ولا مُصَرَّف ، ولذلك فهو لا يقارن بأي شخص آخر مهما كانت مرتبته . وفي علو مرتبة المقرب أو المحقق
هامش
( 1 ) الشيخ السراج الطوسي - اللمع في التصوف - ص 12 - 13 . ( 2 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 268 .