بالنسبة لهؤلاء ، ولا يهتم المحقق بهذا ، وعزاؤه فيما يقول الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم له ، بأنه غريب ، وطوبى للغرباء .
وقد بحثنا عن أصل كلمتي محقق ومقرب فألفينا لكلمة مقرب مصدراً من القرآن والسنة ، ولكلمة محقق مصدراً من السنة :
فلفظ المقرب يستخدم أما : صفة للسابقين إلى الخيرات ، وهو السابقون إلى الجنة ، وذلك في مثل قوله تعالى : (
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
) « 1 » أو عباد اللَّه المقربون في مثل قوله تعالى : (
كِتابٌ مَرْقُومٌ . يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
) « 2 » .
والثاني صفة الملائكة في قوله تعالى : (
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
) « 3 » .
ويشرح بعض المفسرين الملائكة المقربين بأنهم الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم ، وهؤلاء لا يستنكفون أن يكونوا عباداً لله .
وقد تحدث الصوفية قبل ابن سبعين عن القرب والمقرب ، مستندين في ذلك إلى الحديث القدسي : ( ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) « 4 » ، والقرب الذي هو ضد البعد يعني به الصوفية : قرب العبد من اللَّه سبحانه وتعالى بالمكاشفة والمشاهدة .
وبعضهم قال : أن القرب هو الانقطاع عما دون اللَّه .
وقالوا أيضاً : القرب : الطاعة .
وقالوا أيضاً : القرب : الدنو من المحبوب بالقلب .
وقد قسم بعض الصوفية القرب إلى نوعين : قرب النوافل وهو المشار إليه في الحديث القدسي السالف الذكر ، وقرب الفرائض ، ولهم في ذلك كلام كثير « 5 »
هامش
( 1 ) الواقعة : 10 - 12 .
( 2 ) المطففين : 20 - 21 .
( 3 ) النساء : 172 .
( 4 ) صحيح ابن حبان ج : 2 ص : 58 ، وغيره .
( 5 ) انظر في تفصيل ذلك : كشاف الفنون للتهاوني ، مادة ( قرب ) ، والرسالة القشيرية - ص 42 .