يقول ابن سبعين « المحقق والمقرب ، لا يجد مع من يتكلم بمذهبه من حيث هو » . . . لأنه عين الوجود وعين مدبر العالم ، وبه يعلم اللَّه ، إلى غير ذلك . . وعلى ذلك فكل ما يتحدث عنه الصوفية من الحق والحقيقة والقرب والبعد من اللَّه وغير ذلك هو من سيئات محقق ابن سبعين .
وهكذا يتبين لنا مما سبق أن ابن سبعين إن كان يجد في القرآن والسنة مصدراً لاصطلاحات القرب والمقرب ، وفي السنة مصدراً لاصطلاحات الحقيقة والمحقق ، إلا أنه لا يستعمل هذه الاصطلاحات بمعانيها الأصلية ، وإنما هو يتأولها . . . ليدل بها على مذهبه في المقرب أو المحقق كواسطة بين اللَّه والعالم ، وكمدبر للعالم باعتبار حقيقة الروحانية لا باعتبار مظهريته الجسمانية الحادثة ، وكمصدر لكل فيض ووجود وكل علم وعرفان » « 1 » .
[ مبحث صوفي - 2 ] : المحقق ووساطته ( المعرفية والوجودية ) عند ابن سبعين
يقول الدكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازاني :
« إن مطلوب العالم - بحسب ما يفهم من كلام ابن سبعين - هو الخير المحض ، والسعادة الثابتة ، والخير المحض هو اللَّه ، وهو الخير المطلوب على الإطلاق للعالم كله . ولما كان اللَّه لا يظفر به إلا بالنبي ، صار النبي هو مطلوب العالم ومقدمتهم ودليلهم إلى المعرفة بالله والسعادة والخير . ثم لما كان النبي لا تُعرف ماهيته وحقيقته ، وكماله وجلالته ، إلا بالوارث ، والوارث هو المحقق ، وهو الكامل ، ترتب عليه أن المحقق أو الوارث يكون مطلوب العالم أيضاً ، وبذلك يكون المحقق واسطة بين اللَّه والعالم بعد النبي . . .
والمحقق عند ابن سبعين هو الواسطة بين اللَّه والعالم بالمعنى الميتافيزيقي أيضاً « فالله يعطي خيره وإحسانه للوجود الممكن كله ، والنبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم هو الواسطة الذي يوصل خير اللَّه وإحسانه ، والوارث هو الواسطة الذي يأخذ عن النبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ويفيض على العالم ، فالوارث هو الفياض على العالم بالجملة ، والعالم يقبل الخير ويناله ، وكل ماهية يصلها منه بقدر نصيبها ، فالعالم يقبل من الوارث في كل زمان » .
هامش
( 1 ) د . أبو الوفا الغنيمي التفتازاني - ابن سبعين وفلسفته الصوفية - ص 285 - 293 .