من حيث أن محمداً صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم له حقيقة الختم ( خاتم الأنبياء ) ، فهو يقف بين الحق
والخلق ، يقبل على الأول مستمداً للعلم منقلباً إلى الآخر ممداً له ، وسنثبت ما تقدم بنصوص ابن عربي كما تعودنا ذلك ، يقول :
« . . . بدء الخلق الهباء ، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية ، ولا أين يحصرها لعدم التحيز .
ومم وجد ؟ من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم ( حقيقة الحقائق )
وفيم وجد ؟ في الهباء . . .
ولِمَ وجد ؟ لإظهار الحقائق الإلهية . . . » « 1 » .
« فلما أراد ( الحق ) وجود العالم وبدأه على حد ما علمه بعلمه بنفسه ، انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل ، من تجليات التنزيه ، إلى الحقيقة الكلية ( حقيقة
الحقائق ) انفعل عنها حقيقة تسمى : الهباء . . . ليفتح فيها ما شاء من الأشكال والصور ، وهذا هو أول موجود في العالم . . . ثم أنه سبحانه تجلى بنوره إلى ذلك الهباء . . . والعالم فيه القوة والصلاحية ، فقبل منه تعالى كل شيء في ذلك الهباء ، على حسب قوته واستعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج . . . فلم يكن أقرب إليه قبولًا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم المسماة بالعقل ، فكان سيد العالم بأسره وأول ظاهر في الوجود ، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي ومن الهباء ومن الحقيقة الكلية ، وفي الهباء وجد عينه وعين العالم من تجليه » « 2 » .
يظهر من النص الأخير أن الحقيقة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أول ظاهر في الوجود ، وإن كان وجودها عن الهباء وحقيقة الحقائق ، فالأول ، أي الهباء حقيقة معقولة غير موجودة في الظاهر .
والثانية : أي حقيقة الحقائق لا تتصف بالوجود ولا بالعدم .
هامش
( 1 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 1 ص 118 .
( 2 ) المصدر نفسه - ج 1 ص 119 .