مكروهاً ، وما اختلفت أجناس الرحمة إلا عند القابلين لها ، وعند اختلاف المواطن .
هكذا يحكم العقل بمقاييسه ، وهو حكم مخالف للواقع . أما أصحاب البراهين الذوقية فحينما سئلوا : (
ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ؟ قالُوا : خَيْراً
) « 1 » ، وقد كان ينزل بهم ما يسميه أهل البرهان النظري بلاء » « 2 » .
[ مسألة - 3 ] : في تجليات الأسماء
يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي قدّس اللَّه سرّه :
« إذا تجلى اللَّه تعالى على عبد من عبيده في اسم من أسمائه اصطلم العبد تحت أنوار ذلك الاسم ، فمتى ناديت الحق بذلك الاسم أجابك العبد لوقوع ذلك الاسم عليه .
فأول مشهد من تجليات الأسماء : أن يتجلى اللَّه لعبده في اسمه الموجود ، فيطلق هذا الاسم على العبد ، وأعلى منه تجليه له في اسمه الواحد ، وأعلى منه تجليه في اسمه اللَّه ، فيصطلم العبد لهذا التجلي ويندك جبله فيناديه الحق على طور حقيقته : إنه أنا اللَّه هنالك ، يمحو اللَّه اسم العبد ، ويثبت له اسم اللَّه ، فإن قلت يا اللَّه أجابك هذا العبد لبيك وسعديك ، فإن ارتقى وقواه اللَّه وأبقاه بعد فنائه كان اللَّه مجيباً لمن دعى هذا العبد . . .
ثم إذا قوي العبد في الترقي ، تجلى الحق له في اسمه الرحمن ، ثم في اسمه الرب ، ثم في اسمه الملك ، ثم في اسمه العليم ، ثم في اسمه القادر ، وكلما تجلى اللَّه في اسم من هؤلاء الأسماء المذكورة فإنه أعز مما قبله في الترتيب ، وذلك لأن تجلي الحق في التفصيل ، أعز من تجليه في الإجمال ، فظهوره لعبده في اسمه الرحمن تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه اللَّه ، وظهوره لعبده في اسمه الرب تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه الرحمن ، وظهوره في اسمه الملك تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه الرب . . . وكذلك بواقي الأسماء بخلاف تجلياته الذاتية ، فإن ذاته إذا تجلت لنفسه بحكم مرتبة من هذه المراتب كان الأعم فوق الأخص . . . والعجب في التجليات الأسمائية : أن المتجلى له لا يشهد إلا الذات الصرف ، ولا يشهد الأسماء لكن
هامش
( 1 ) النحل : 30 .
( 2 ) الإمام القشيري - تفسير لطائف الإشارات - ج 5 ص 115 .