التصوف ، وكل واحد نطق فيهما بما يرجع إلى حاله ، وإن أكثرهم جعلوا الأنس بالجمال مربوطاً ، والهيبة بالجلال مربوطة ، لا وليس الأمر كما قالوه بوجه : وذلك أن الجلال والجمال وصفان لله تعالى ، والهيبة والأنس وصفان للإنسان ، فإذا شاهدت حقائق العارفين الجلال هابت وانقبضت ، وإذا شاهدت الجمال أنست وانبسطت ، فجعلوا الجلال للقهر والجمال للرحمة وحكموا في ذلك بما وجدوه في أنفسهم . . .
إن الجلال لله : معنى يرجع منه إليه ، وهو الذي منعنا من المعرفة به تعالى .
والجمال : معنى يرجع منه إلينا ، وهو الذي أعطانا هذه المعرفة التي عندنا به والتنزلات والمشاهدات والأحوال ، وله فينا أمران : الهيبة والأنس ، وذلك لأن لهذا الجمال علواً ودنواً . فالعلو : جلال الجمال وفيه يتكلم العارفون ، وهو الذي يتجلى لهم ، ويتخيلون أنهم يتكلمون في الجلال الأول الذي ذكرناه ، وقد اقترن معه منا الأنس والجمال الذي هو الدنو ، قد اقترنت معه منا الهيبة . فإذا تجلى لنا جلال الجمال أنسنا ولولا ذلك لهلكنا ، فإن الجلال والهيبة لا يبقى لسلطانهما شيء ، فيقابل ذلك الجلال منه بالأنس منا لنكون في المشاهدة على الاعتدال حتى نعقل ونرى ولا نذهل .
وإذا تجلى لنا الجمال هبنا ، فإن الجمال مباسطة الحق لنا ، والجلال عزته عنا فتقابل بسطه معنا في جماله بالهيبة ، فإن البسط مع البسيط يؤدي إلى سوء الأدب ، وسوء الأدب في الحضرة سبب الطرد والبعد . . . فإن جلاله في إنسنا يمنعنا في الحضرة من سوء الأدب ، كما أن هيبتنا في جماله وبسطه يمنعنا من سوء الأدب . فكشف أصحابنا صحيح ، وحكمهم بأن الجلال يقبضهم والجمال يبسطهم غلط ، وإذا كان الكشف صحيحاً فلا تبالي . فهذا هو الجلال والجمال كما تعطيه الحقائق » « 1 » .
ويقول الشيخ أبو المواهب الشاذلي :
« اعلم أيها المشاهد أن الجلال والجمال هما غيب ظاهر ، ما يبدو عنهما في كل حضرة من حضرات التلوين والتكوين وأطوار تجليات التعين .
هامش
( 1 ) الشيخ عبد الكريم الجيلي - الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار - ص 171 - 173 .