تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
القسمين كان القسم الآخر لا محالة . فمن فنى عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة ، ومن غلبت عليه الخصال المذمومة استترت عنه الصفات المحمودة » « 1 »

ويقول الشيخ ولي اللَّه الدهلوي :

« الفناء والبقاء . . المغلوبية والغلبة . فإذا غلب على الإنسان شيء من تلك اللطائف ، وصار مغلوباً لها وظهر عليه أحكامها قالوا : فنى الرجل في كذا ، وبقى في كذا » « 2 » .

[ مسألة - 7 ] : في أيهما أسلم للعبد وقوفه في مقام الفناء أم في مقام البقاء ؟

يقول الشيخ الأكبر ابن عربي قدس اللَّه سره :

« البقاء عند بعض الطائفة : بقاء الطاعات ، كما كان الفناء : فناء المعاصي عند صاحب هذا القول ، وعند بعضهم : البقاء بقاء رؤية العبد قيام اللَّه على كل شيء ، وهذا قول من قال في الفناء : إنه فناء رؤية العبد فعله بقيام اللَّه تعالى على ذلك ، وعند بعضهم : البقاء بقاء بالحق ، وهو قول من قال في الفناء : إنه فناء عن الخلق . اعلم أن نسبة البقاء عندنا أشرف في هذا الطريق من نسبة الفناء ، لأن الفناء عن الأدني في المنزلة أبداً عند الفاني ، والبقاء بالأعلى في المنزلة أبداً عند الباقي . . . ففي نسبة البقاء شهود حق ، وفي نسبة الفناء شهود خلق . . . إن البقاء نسبة لا تزول ولا تحول ، حكمه ثابت حقاً وخلقاً ، وهو نعت إلهي كياني لا مدخل له في حضرة الحق ، وكل نعت ينسب إلى الجانبين فهو أتم وأعلى من النعت المخصوص بالجانب الكوني ، إلا العبودة فإن نسبتها إلى الكون أتم وأعلى من نسبة الربوبية والسيادة إليه . فإن قلت : فالفناء راجع إلى العبودة ولازم قلنا : لا يصح أن يكون كالعبودة ، فإن العبودة نعت ثابت لا يرتفع عن الكون ، والفناء قد يفنيه عن عبودته وعن نفسه ، فحكمه يخالف حكم العبودة ، وكل أمر يخرج الشيء عن أصله يحجبه عن حقيقته ، فليس بذلك الشرف عند الطائفة ، فإنه أعطاك الأمر على خلاف ما هو به فألحقك بالجاهلين .
هامش
( 1 ) الإمام القشيري - الرسالة القشيرية - ص 61 . ( 2 ) الشيخ ولي اللَّه الدهلوي - التفهيمات الإلهية - ج 1 ص 241 .