شيء منه مرتبة في التأثير والتأثر على حد معلوم . . . ومكّن سبحانه كل ذي مرتبة من مرتبته وجعلهم فيها على مقامات معلومة ، تمكيناً يبقيه عليهم ما شاء ويعزلهم عنه إذا شاء ، وعبر سبحانه عن هذا التمكين بالإذن . . . فمعنى الإذن تمكين المؤثر من التأثير في مرتبته لا الإباحة والتخيير ، ولو كان معناه التخيير لما قال : (
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
) « 1 » ، فتبين بما ذكرناه أن أفعال الخلق كلها بإذنه ، الذي هو تمكينه لهم إبقاء مرتبة التأثير عليهم . . . إنه لا فاعل إلا اللَّه ، وإن تأثير الأكوان من حيث إبقاؤه عليها مرتبة التأثير التي وهبها لها » « 2 » ثانياً : الإذن الإلهي : هو الأمر الإلهي الظاهر بالاستعداد في المسبب ، يقول ابن عربي في تفسير الآية : (
ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ
) « 3 » الإذن : الأمر الإلهي ، أمر بعض الشجر أن تقوم فقامت ، وأمر بعض الشجر أن تنقطع فانقطعت بإذن اللَّه لا بقطعهم . . . فإن إذن اللَّه لها في هذه الصورة كالاستعداد في الشيء ، فالشجرة مستعدة للقطع فقبلته من القاطع فقوله : فبإذن اللَّه ، يعني للشجرة كقوله (
فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ
) « 4 » . . « 5 » ثالثاً : الإذن الإلهي هو صنو المشيئة في تكوين القدر ، فالشيخ الأكبر يجعل القدر وجهين : مشيئة وإذن ، فالقدر هو ما شاء اللَّه وأذن به فكان ، يقول الشيخ :
« حذر صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم أن تهلك أمته كما هلكت الأمم قبلها بنسيان القدر الذي هو المشيئة والإذن ، إذ النفوس شديدة التعلق والأنس بالأسباب » « 6 » . . « 7 »
هامش
( 1 ) البقرة : 102 .
( 2 ) الشيخ ابن عربي - بلغة الغواص - ص 81 - 83 .
( 3 ) الحشر : 5 .
( 4 ) آل عمران : 49 .
( 5 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 142 - 143 .
( 6 ) الشيخ ابن عربي - بلغة الغواص - 85 .
( 7 ) د . سعاد الحكيم - المعجم الصوفي - ص 61 - 62 ( بتصرف ) .