تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وقد يبلغ الإيثار بصاحبه أن يعطي كل ما لديه ، ويبقى بلا شيء وهنا يقول العلماء : ( إنما يباح الإيثار بالكل لمن كان يوثق منه بالصبر الجميل على الفقر ، وأما من يخاف عدم الصبر ، ويخاف التعرض إلى السؤال إذا بذل ما عنده يكون مكروهاً بالنسبة إليه ) ، ويؤيد هذا ما رواه أهل التفسير من أن رجلًا جاء إلى النبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم بمثل البيضة من ذهب ، وقال : هذا صدقة ويبدو أنه لم يكن يملك غيرها ، فأبى النبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم أخذها منه ، وقال : ( يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ، ثم يقعد يتكفف الناس ) « 1 » .

من إيثار المال إلى إيثار الطاعة

والإيثار كما يكون في بذل المال يكون في إيثار الطاعة لله على الاستجابة للشهوة ، وهذا يحتاج إلى مقاومة ومغالبة ، وقد جاء في الحديث : ( أيما امرئ اشتهى شهوة ، فرد شهوته ، وآثر على نفسه ، غفر له ) « 2 » .

من إيثار الطاعة إلى إيثار الآخرة

وكذلك إيثار الآخرة على الدنيا ، والآجلة على العاجلة ، والقرآن الكريم يشير إلى مثل هذا الإيثار في مواطن ، فتراه يقول في سورة الأحزاب : (
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً
) « 3 » . ويقول في سورة طه عن السحرة الذين ظهرت لهم دلائل الإيمان فآثروا اتباع طريق ربهم على طريق فرعون (
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى
) « 4 »
هامش
( 1 ) صحيح ابن حبان ج : 8 ص : 165 برقم 3372 ، انظر فهرس الأحاديث . ( 2 ) المجروحين ج : 2 ص : 76 . ( 3 ) الأحزاب : 28 - 29 . ( 4 ) طه : 72 - 73 .