تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وقد حذر القرآن الكريم عباد الرحمن وخوفهم إيثار الدنيا على الآخرة فقال في سورة النازعات : (
فَأَمَّا مَنْ طَغى . وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
) « 1 » وقال في سورة الأعلى : (
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
) « 2 » . وروى الترمذي أن الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم قال : ( من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى ) « 3 » .

من إيثار الآخرة إلى إيثار رضى اللَّه

ولذلك عد البصراء من العلماء أسمى درجات الإيثار أن يؤثر الإنسان رضى ربه على رضى من عداه ، فيفعل المرء ما فيه مرضاة خالقه ، حتى ولو غضب المخلوق ، وهذه الدرجة من درجات الإيثار هي درجة الأنبياء والمرسلين ، وإمامهم فيها هو خاتمهم سيدنا محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ومن هنا قال ابن القيم : « إيثار رضا اللَّه عز وجلّ هو أن يريده ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء ، وأعلاها للرسل عليه السلام ، وأعلاها لأولي العزم منهم ، وأعلاها لنبينا صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ، فإنه قاوم العالم كله ، وتجرد للدعوة إلى اللَّه ، واحتمل عداوة القريب والبعيد في اللَّه تعالى ، وآثر رضا اللَّه على رضا الخلق من كل وجه ، ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم ، بل كان همه وعزمه وسعيه كله مقصوراً على إيثار مرضاة اللَّه تعالى ، وتبليغ رسالاته وإعلاء كلماته ، وجهاد أعدائه ، حتى ظهر دين اللَّه على كل دين ، وقامت حجته على العالمين ، وتمت نعمته على المؤمنين ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة وجاهد في اللَّه حق جهاده ، وعبد اللَّه حتى أتاه اليقين من ربه ، فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم » .
هامش
( 1 ) النازعات : 37 - 39 . ( 2 ) الأعلى : 16 - 17 . ( 3 ) صحيح ابن حبان ج : 2 ص : 486 .