فقال : يا موسى إنك لن تطيق ذلك ، ولكن أريك منزلةً من منازله ، جليلة عظيمة ، فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي .
فكشف له عن ملكوت السماوات ، فنظر إلى منزلة كادت تتلف نفسه من أنوارها وقربها من اللَّه تعالى ، فقال : يا رب ، بماذا بلغت به إلى هذه الكرامة ؟ .
قال : بخُلُق اختصصته به من بينهم وهو الإيثار ، يا موسى لا يأتيني أحد منهم وقد عمل به وقتا من عمره إلا استحييت من محاسبته ، وبوأته من جنتي حيث يشاء .
إيثار الصحابة
ومن حول الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم كان الصحابة الذين ضربوا روائع الأمثلة في الإيثار ، فهذا مثلًا عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه يروي لنا إن رجلًا أهدى إلى أحد رأس شاة فقال المُهْدَى إليه : إن أخي فلان أحوج إليه مني ، فبعث به إليه ، وظل رأس الشاة يتنقل بين سبعة بيوت ، ورجع إلى الأول .
وكان قيس بن سعد بن عبادة مريضاً ، فتخلف عن عيادته جمع من معارفه ، فسأل عنهم فقيل له : انهم يستحيون مما لك عليهم من الدين .
فقال : أخزى اللَّه مالًا يمنع الناس من الزيارة . ثم أمر منادياً ينادي : من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل .
ويروى أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه أخذ صرة فيها أربعمائة دينار ، وقال لغلامه اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ، ثم تلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع بها .
فذهب الغلام وقال لأبي عبيدة : يقول لك أمير المؤمنين ، اجعل هذه في بعض حاجتك .
فقال : وصله اللَّه ورحمه ، ثم قال تعالى يا جارية ، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، حتى نفدت ، وعاد الغلام وأخبر عمر فأعطاه مثلها لمعاذ بن جبل ، وأمره بمعرفة ما يصنع بها ففعل معاذ ما فعله أبو عبيدة ، لكن امرأته قالت : ونحن واللَّه مساكين فأعطنا ولم يبق في الصرة إلا ديناران فأعطاهما لها ، ولما عرف عمر ذلك سر سرور كبيراً ، وقال إنهم اخوة بعضهم من بعض .