وهو كذلك فإنّ الاتفاق على أنّ الفكر فعل إراديّ صادر عن النفس لاستحصال المجهولات بالمعلومات ، ثم كما أنّ الإدراك بالبصر يتوقّف على أمور ثلاثة : مواجهة المبصر وتقليب الحدقة نحوه طلبا لرؤيته وإزالة الغشاوة المانعة من الإبصار ، كذلك الإدراك بالبصيرة يتوقّف على أمور ثلاثة : التوجّه نحو المطلوب وتحديق العقل نحوه طلبا لإدراكه وتجريد العقل عن الغفلات التي هي بمنزلة الغشاوة .
ثم حيث كان الظاهر أنّ النظر اكتساب المجهولات من المعلومات كما هو مذهب أصحاب التعاليم ولا شبهة في أنّ كل مجهول لا يمكن اكتسابه من أي معلوم اتّفق بل لا بدّ له من معلومات مناسبة له ولا في أنّه لا يمكن تحصيله من تلك المعلومات على أي وجه كانت بل لا بدّ هناك من ترتيب معيّن فيما بينها ومن هيئة مخصوصة عارضة لها بسبب ذلك الترتيب فنقول إذا أردنا تحصيل مجهول تصديقي مشعور به من وجه على وجه أكمل انتقلت النفس منه وتحرّكت في المعقولات حركة من باب الكيف ، كما أشار إليه المصنّف في الكيفية النفسانية التي هي الصور المعقولة على قياس الحركة في الكيفيات المحسوسة طالبة المبادئ لهذا المطلوب أعني تكيّفت النفس بواحد من المعاني المخزونة عندها بعد واحد بواسطة استعراضها وملاحظتها لتلك المعاني ، أي اتّصفت بالحالات العارضة لها عند ملاحظتها للمعاني المخزونة . فإنّها إذا لاحظت معنى يحصل لها حالة لم تكن لها مغايرة لما يعرض لها عند ملاحظة معنى آخر ولا تزال كذلك طالبة لمبادئ هذا المطلوب إلى أن تظفر بمبادئه أعني الأمر المناسب له المفضي إلى العلم أو الظنّ به ، وهذا الأمر المناسب هو الحدّ الوسط بين طرفي المطلوب ( أم ، قرر 1 ، 49 ، 6 )
- النظر لغة يقال لمعان منها الاعتبار والرؤية واصطلاحا ( فكر ) ( نص ، لب ، 21 ، 21 )
نظر صحيح
- النظر الصحيح فهو ترتيب للعلوم أو للظنون بحسب العقل ليتوصّل بها إلى علم أو ظنّ ( بص ، مع 1 ، 10 ، 10 )
نظر في المآلات
- التكاليف . . . مشروعة لمصالح العباد ؛ ومصالح العباد إمّا دنيوية ، وإمّا أخروية . أمّا الأخروية فراجعة إلى مآل المكلّف في الآخرة ، ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم . وأمّا الدنيوية فإنّ الأعمال - إذا تأمّلتها - مقدّمات لنتائج المصالح ، فإنّها أسباب لمسبّبات هي مقصودة للشارع ، والمسبّبات هي مآلات الأسباب ، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب : وهو معنى النظر في المآلات ( شط ، وفق 4 ، 195 ، 13 )
نظر في مآلات الأفعال
- النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة . وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام إلّا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل ؛ مشروعا لمصلحة فيه تستجلب ، أو لمفسدة تدرأ ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه ؛ وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ،