ومن الواضح أن الحقيقة إذا كانت حقيقة تعلّقية ، أي كانت عين التعلّق والارتباط ، فلا يمكن أن تنفك عن شيء تتعلّق به وترتبط به ذاتيا ، فذلك الشيء هو سببها وعلّتها ، لأنها لا يمكن أن توجد مستقلة عنه .
النظرية المادية :
وهي التي ترى أن الموجود من حيث هو موجود ، يحتاج إلى علّة ، ومعنى هذا أن الحاجة إلى العلة أمر ذاتي لكل موجود ، من هنا لا يمكن أن نتصوّر وجودا غير معلول . ونتج عن ذلك :
« أنهم اتهموا الفلسفة الإلهية أنها تؤمن بالصدفة ، نظرا إلى اعتقادها بوجود مبدأ أول لم ينشأ من سبب ولم تتقدّمه علة . فهذا الوجود المزعوم للإلهية ، لما كان شاذا عن مبدأ العلّية فهو صدفة . وقد أثبت العلم أن لا صدفة في الوجود ، فلا يمكن التسليم بوجود المبدأ الإلهي الذي تزعمه الفلسفة الميتافيزقية » .
النظرية الكلامية :
ذهب المشهور من علماء الكلام إلى أن الملاك في حاجة الممكن إلى علّة هو حدوثه ، والمراد من الحدوث هو الوجود بعد العدم ، أي مسبوقية الوجود بالعدم ، قال الرازي في المطالب العالية : « لا شكّ أنه لا يمكن تفسير المحدث إلا بأنه الذي سبقه غيره . ثم إما أن يكون ذلك السابق عدما أو وجودا ، فإن كان عدما فحينئذ يقال : إن المحدث هو الذي يكون وجوده مسبوقا بالعدم ، وإن كان ذلك السابق وجودا فحينئذ يقال : إن المحدث هو الذي سبقه وجود شيء آخر ، والتفسير الأوّل أولى ، لأن المحدث من حيث إنه محدث يجب أن يكون وجوده مسبوقا بعدمه ، ولا يجب من حيث هو محدث أن يكون وجوده مسبوقا بوجود غيره ، لأنه ما لم يثبت بالدليل أن المحدث يمتنع أن لا يحدث إلا لمحدث وموجود ، فإنه لا يثبت أن المحدث لا بدّ وأن يكون مسبوقا بوجود غيره . أما سواء قلنا : إن المحدث يحدث لنفسه أو لغيره ، أو لا لنفسه ولا لغيره ، فإنه يجب أن يكون مسبوقا بالعدم ، فيثبت أن تفسير المحدث بأنه الذي يجب أن يكون مسبوقا بالعدم أولى من تفسيره بأنه الذي يجب أن يكون مسبوقا بغيره » .