مراد الحكماء من أنّ المفاهيم الفلسفية معقولة وليست محسوسة . وهذه إحدى نقاط الافتراق الأساسية في نظرية المعرفة عند الحسيين من جهة ، والفلاسفة الإسلاميين من جهة أخرى .
حيث آمنت النظرية الحسيّة أن الإحساس هو « المموّن الوحيد للذهن البشري بالتصوّرات والمعاني ، والقوّة الذهنية هي القوّة العاكسة للإحساسات المختلفة في الذهن . فنحن حين نحسّ بالشيء نستطيع أن نتصوّره - أي أن نأخذ صورة عنه في ذهننا - وأمّا المعاني التي لا يمتدّ إليها الحس ، فلا يمكن للنفس ابتداعها وابتكارها ذاتيا وبصورة مستقلّة .
الثانية : أنها تحكي أنحاء الوجود الخارجي وشؤونه ، وبتعبير آخر وظيفتها حكاية المحدود بما له من الخصوصيات الوجودية ، فمثلا عندما نقول : هذا الوجود علّة ، معناه أن وجوده سنخ وجود يؤثر في إيجاد شيء آخر . وعندما نقول : هذا معلول ، معناه : أن وجوده سنخ وجود وجد عن غيره . والشاهد على ذلك قابلية انطباق المفهوم الفلسفيّ على ما له حدّ ، كالوجود الإمكاني ، كقولنا : « النار علّة للإحراق » ، وعلى ما لا حدّ له ، كالوجود الواجبي كقولنا : « اللّه - تعالى - علّة لعالم الإمكان » ، فالعلّية سنخ مفهوم يحكي لنا حقيقة المحدود وكيفيته ، ولا علاقة له ببيان الحدّ ، وأن هذا الموجود له حدّ أم لا .
الثالثة : يمكن أن تصدق مفاهيم فلسفية متعدّدة على شيء واحد ، بلا أن يؤدّي ذلك إلى كثرة الجهات والحيثيات الخارجية ، ولهذا نجد أنه يمكن أن يكون موجود واحد بسيط ، مصداقا لمفاهيم فلسفية متعدّدة ، فمثلا « زيد » يصدق عليه أنه موجود وممكن ومعلول ومتغيّر ونحوها ، وهذه جميعا مفاهيم فلسفية ، وتعدّدها لا يكشف عن تعدّد الحيثيات الخارجية ، بل البرهان قائم على أن هذه المفاهيم جميعا تحكي عن مصداق واحد بسيط ، ومن هنا فصدق مفهوم فلسفي كمفهوم العلّة على مورد خاص لا يكون دليلا على نفي مقابله .
الرابعة : أن المفاهيم الفلسفية لا تحمل على مصاديقها حمل المفاهيم الماهوية على أفرادها ، وإنما يكون
المعجم الشامل للمصطلحات العلمية والدينية — صفحة 680
مساهمون: ابراهيم حسين سرور
ص٦٨٠