المفاهيم الفلسفية :
وهي التي يعبّر عنها ب « المعقولات الثانية الفلسفية » ، وهذه سنخ مفاهيم لا يمكن انتزاعها من الموجودات الخارجية مباشرة ، وإنّما يتوقّف انتزاعها على جهد خاص يقوم به العقل ، من قبيل أن يقارن بعض الأشياء ببعض ، فيكتشف أن بعضها يتوقف على بعضها الآخر ، فينتزع العلية والمعلولية ، « فمثلا عندما يقارن بين النار والحرارة الناشئة منها ، يلاحظ توقّف الحرارة على النار ، فينتزع مفهوم العلّة من النار ، ومفهوم المعلول من الحرارة ، ولو لم تكن مثل هذه الملاحظات والمقارنات ، فإن مثل هذه المفاهيم لا توجد ، كما إذا رأينا النار آلاف المرات وأحسسنا بالحرارة آلاف المرّات أيضا ، ولكنّنا لم نقارن بينهما ولم نلتفت إلى وجود أحدهما من الآخر ، فإن مفهوم العلّة والمعلول لن يحصل إطلاقا » .
وهذه المفاهيم بالرغم من كونها غير منتزعة من الواقع الخارجي مباشرة ، إلا أنها تنطبق على الموجودات الخارجية بنحو من أنحاء الانطباق . يقول الشهيد مطهري : « إن هذه المفاهيم وإن لم تأت إلى الذهن من خلال الحواس مباشرة ، إلا أنها تصدق على الأشياء في ظرف الخارج ، مثل مفهوم الوجوب والإمكان والامتناع » .
فمثلا عندما نقول : « اللّه - تعالى - واجب الوجود ، الإنسان ممكن الوجود » ليس المقصود إثبات الوجوب والإمكان للمفاهيم الذهنية ، بل إثبات هذه الصفات للحقائق الخارجية ، وهذا ما سيأتي بيانه في الفصل التاسع من المرحلة الرابعة . ومن هنا عبّر المصنّف في المتن عن هذا النوع من المفاهيم أنها « لم تنتزع من الخارج ، وإنّما اعتبرها العقل بنوع التعمّل [ الجهد العقلي ] لضرورة تضطرّه إلى ذلك » .
وأهم خصائص هذا السنخ من المفاهيم هي :
الأولى : أنها وإن كانت أوصافا لأمور خارجية ، إلا أنها ليست محسوسة ، ولا يوجد لها ما بإزاء مستقلّ في الخارج ، ومن هنا فلا يمكن الإشارة الحسية إليها . وهذا هو