يستحيل وعلى ما لا يستحيل ، وإن الذي بالحسّ منها يقال على ما لا يستحيل . ولكن إذا تقرّر أن الانفعال والاستحالة ضربان وتبيّن فصلاهما ، ولم يكن للمعنى الذي يجب أن نفهمه في الحسّ اسم مخصوص ، فقد يضطرّ الأمر إلى أن نسمّيه باسم المعنى الحقيقي من الاستحالة ، لكن على أن نفهم منه المعنى الذي قيل وهو أن الحاس بالقوة يصير كالمحسوس بالاستكمال لا المحسوس بالفعل . وذلك أن المحسوس إنما حصل فيه المعنى الذي به صار محسوسا بانفعال حقيقي ، وأما حصول هذا المعنى بالحس فلم يحصل عن انفعال حقيقي . ولذلك لا يكون البصر بوجود اللون فيه ملوّنا كما يكون الجسم الملوّن بوجود اللون فيه ، ولا يكون اللمس حارّا كما يكون الملموس ملموسا بكونه حارّا بالفعل أو باردا . ( تكن ، 70 ، 14 )
- أقول ( ابن رشد ) : إن معنى قولنا إن كذا بالقوة كذا ، أي فيه استعداد وتهيّؤ ليكون كذا ، وذلك إنما نقوله إذا لم يكن بالفعل ذلك الشيء الذي هو مستعدّ له . مثال ذلك أنّا نقول في الإنسان حين يولد : إنه ناطق لكن لا بمعنى أنه يقدر على النطق ، لكن بمعنى أن فيه إمكانا لأن يكون إذا شبّ ناطقا . ومثل هذا نقول في الكلب حين يولد :
إنه نباح ، وفي الفرس : إنه سريع الجري .
فجميع هذه إذا وصفناها بهذه الصفات ، فإنّا إنما نذهب إلى أنها موجودة بالقوة لا بالفعل ، حتى إذا وجدت وخرجت إلى الحسّ قيل فيها : إنها بالفعل وذلك أن الفعل وجود تام ، والقوة وجود ناقص ، وهو بعد لم يوجد ، وإنما هو مزمع أن يوجد . وإنما نطلق على أمثال هذه الأفعال أسماء الفعل ، لأن في قوتها أن توجد لها معاني تلك الأسماء .
( رط ، 141 ، 10 )
- قد يقال : إن كذا هو بالقوة ، كذا في مادة الشيء القريبة الخاصة به ، التي منها يتولّد الشيء تولّدا أولا ، أعني ألّا يكون بين مادة الشيء والشيء الذي يتولّد منها تولّد شيء آخر هو واسطة بينهما . مثل أن نقول في البلغم : إنه لحم بالقوة ، فإنه إنما هو لحم بتوسّط استحالته إلى الدم ، بل المادة القريبة هي مثل قولنا الدم لحم بالقوة . وكذلك الأمر في الطعام ، إذا كان في المعدة ، فإنّا لا نقول فيه إنه بالقوة القريبة لحم ، لأنه إنما يكون لحما يتوسّط الدم . وأبعد من ذلك الخبز أو السويق ، فإن كل واحد منهما يحتاج إلى أن يكون لحما إلى ثلاث استحالات ، أعني في الهضوم الثلاثة : المعدة ، والكبد والأعضاء أنفسها . وأبعد من هذه الماء والنار والهواء والأرض . وأبعد من هذه المادة المشتركة .
فإن هذه هي بالقوة البعيدة لحم ، وبعض هذه أقرب من بعض . واسم القوة الحقيقي إنما ينطلق على القريبة . ( رط ، 142 ، 1 )
- قد يقال : إن شيئا كذا هو بالقوة كذا ، ليفرّق بينه وبين ما بالعرض . مثل قولنا : إن في الماء البارد يسخن بدن الشاب بالعرض ، أي يعرض لمسام بدنه أن تتكاثف ، فتحتقن الحرارة في بدنه ، فيسخن . لأن الذي له بالقوة والذات هو أن يبرد . فهذه الوجود تقول في الشيء : إنه بارد بالقوة ، أو حار بالقوة ، أو يابس أو رطب . فإذا كان الأمر هكذا ، فبالواجب نطلب ، متى قلنا في شيء
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف — صفحة 834
مساهمون: جيرار جهامي
ص٨٣٤