العقل فيه هو المعقول من جميع الوجوه .
وهذا العقل قد تبيّن من قبل أنه صورة ، وتبيّن هاهنا أنه فاعل . ولذلك يظنّ أن عقله ممكن لنا بآخرة ، أعني من حيث هو صورة لنا ، ويكون قد حصل لنا ضرورة معقول أزلي . إذ كان في نفسه عقلا سواء عقلناه نحن أو لم نعقله ، لا أن وجوده عقلا من فعلنا كالحال في المعقولات الهيولانية . وهذه الحال هي التي تعرف بالاتحاد والاتصال . ويرى الإسكندر أن الذي يعنيه أرسطو بالعقل المستفاد هو العقل الفاعل من جهة ما يوجد له هذا الاتصال بنا ، ولذلك ما سمّي مستفادا ، أي أنّا نستفيده . ( كن ، 88 ، 14 )
- إن العقل الهيولاني ليس يمكن أن يكون الجوهر القابل للقوة التي فيه شيء بالفعل أصلا ، أعني صورة من الصور لأنه لو كان ذلك كذلك لما قبل جميع الصور . وأما المعاني الخيالية فهي التي نسبتها من العقل الهيولاني نسبة المحسوس من الحس ، أعني المبصر من البصر ، لا نسبة العين من البصر ، أعني الموضوع كما تقدّم من قولنا في هذا المكتوب . ( كن ، 90 ، 6 )
- العقل الهيولاني إنما ينظر إلى العقل الفعّال الذي هو عقل بالفعل ، إلا أنه يعقله أولا بوجود ناقص ، وهو العقل الذي بالملكة الذي هو صور الموجودات الهيولانية . ويعقل بآخرة على التمام والكمال إذا كان إنما ننظر إليه من هذه الجهة سمّي مستفادا . وهذا العقل الذي بالملكة ، وهو صورة الموجودات الهيولانية ، كأنه وسط بين الموجودات الهيولانية وبين العقل الفعّال . فهو من جهة الموجودات بوجود أشرف من الوجود الهيولاني ، ومن جهة العقل الفعّال بوجود أنقص من وجوده التام الذي ليس فيه قوة أصلا . ( كن ، 121 ، 4 )
- نقول ( ابن رشد ) : إنه قد تبيّن في كتاب النفس أن هاهنا ثلاثة عقول : عقل بالقوة وهو العقل الهيولاني ، وعقل يستكمل به هذا العقل وهو العقل الذي بالملكة ، وعقل فعّال وهو الذي يصيّر المعقولات التي بالقوة معقولة بالفعل . وأن هذا العقل له فعلان :
أحدهما من حيث هو مفارق ، وهو أن يعقل ذاته ، على ما شأن العقول المفارقة أن تكون عليه من عقلها ذواتها ، وكون العاقل والمعقول منها شيئا واحدا من كل جهة .
والثاني أن يعقل المعقولات التي في العقل الهيولاني ، أعني يصيّرها من القوة إلى الفعل . وهذا العقل أعني الفعّال هو متّصل بالإنسان وهو كالصورة له ، ولذلك يفعل به الإنسان متى شاء ، أعني يعقل . وثامسطيوس يقول فيه : وبه أكتب ما أكتب . ومن البيّن أنه إذا عقل الإنسان جميع المعقولات التي هي العقل الذي بالملكة ، ولم يبق له معقول بالقوة يصيّره معقولا بالفعل ، أنه لا يخلو في تلك الحال من أحد أمرين ، إما ألا يكون له فعل البتة ، وهو متّصل بنا ؛ وإما أن يكون له فعله الثاني . ومحال أن يكون متّصلا بنا ، ولا يكون له فعل ، فلم يبق إلّا أن يكون فعله الثاني ، الذي هو عقله ذاته . وبالواجب ما كان فعله الأول من أجل فعله الثاني ، والثاني يجري منه مجرى الغاية ، وذلك أنه لما كانت الحكمة الإلهية ، والعدل الربّاني ، يقتضي ألّا يبقى نوع من أنواع الموجودات ، ولا طور من أطوار الوجود ، إلّا ويخرج إلى الفعل .
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف — صفحة 718
مساهمون: جيرار جهامي
ص٧١٨