الجدل وفي صناعة البرهان من الضمير المستعمل في هذه الصناعة ( الخطابة ) أن القياس يرتّب الترتيب الذي يكون به القول منتجا بالضرورة ؛ وأما الضمير فإنه تترتّب مقدماته الترتيب الذي هو معتاد عند الجمهور أن يقبل ، وذلك هو بخلاف الترتيب الصناعي . فإن الناس يستريبون بالقول اللازم عن القول الصناعي ، ويرون أن ذلك إنما لزم من جهة الصناعة لا من جهة الأمر في نفسه .
وأيضا فإن الترتيب الصناعي يقتضي أن يصرّح فيه بجميع المقدّمات الضرورية في بيان ذلك المطلوب . والجمهور لا يستطيعون أن يفهموا لزوم النتيجة التي تلزم عن مقدّمات كثيرة ؛ وأيضا فإنهم لا يباعدون بين النتيجة والشيء الذي يلزم عنه النتيجة ، أعني أنهم لا يصرّحون في المقاييس بالمقدّمتين جميعا مع النتيجة ، بل إنما يأتون بمقدّمة واحدة ثم يردفونها بالنتيجة ، مثل أنهم يقولون : هذا يدور بالليل فهو لصّ ، ولا يقولون : وكل من يدور بالليل فهو لصّ ، وهي المقدّمة الكبرى .
( خ ، 20 ، 16 )
- القياس الخطبي ، وهو الضمير والمثال ، إنما يكونان في الأشياء التي يكون فيها القياس والاستقراء بإطلاق ، وتلك الأشياء مأخوذة بحال غير الحال التي أخذت بها في القياس والاستقراء . فإذا استعملت تلك الأشياء بالحال التي بيّنت في كتاب " القياس " عاد المثال استقراءا والضمير قياسا . وإذا أخذت بهذه الحال التي ذكرنا عاد الاستقراء مثالا والقياس ضميرا . وتلك الحال هي أخذ القياس ، والاعتبار بمقدّمات قليلة وجيزة ، فإن الإقناع إنما يكون أكثر ذلك بالمقدمات القليلة الوجيزة أو بالمقدّمات التي هي في غاية الظهور ، وحذف ما خفي منها . ( خ ، 22 ، 2 )
- أيضا فإنّ المحمود في هذه الصناعة ( الخطابة ) أن يحذف اللازم عنه ويؤتى بالشيء الذي يلزم لأنه إذا أخبر باللازم والملزوم فكأنه قد ذكر الشيء مرّتين فيكون هذرا في بادي الرأي . وعلى هذا فلا يصرّح بالحدّ الأوسط في القياس إلا مرة واحدة ، ولا في الاعتبار إلا بشبيه واحد ، فيكون القياس ضرورة ضميرا أي محذوفة إحدى مقدّمتيه ، وبها سمّي " ضميرا " إذا كانت إحداهما مضمرة ، ويكون الاستقراء - ضرورة - تمثيلا . ( خ ، 22 ، 14 )
- نقول ( ابن رشد ) إن الأقاويل الخطبية ، كما سلف ، جنسان : مثال ، وضمير ، وأما الرأي فهو جزء من الضمير . وأكثر ذلك إنما يحتاج إليه في المشوريات ، وسنقول في ذلك .
والمثال كما قيل في هذه الصناعة شبيه بالاستقراء في صناعة الجدل ، والضمير شبيه بالقياس فيها . والمثال في هذه الصناعة نوعان : فأحدهما أن يتمثّل المتكلّم بأمور قد كانت ووجدت مثل قول القائل إنه ينبغي للملك أن لا يغترّ فيميّز النصحاء من حرسه من غير النصحاء ، وإلّا خيف أن يثبوا عليه فيقتلوه ، كما عرض للمتوكّل من بني العباس . - والنوع الثاني أن يكون الخطيب يصنع المثال صنعة ويخترعه اختراعا ؛ وهذا ربما كان مقدّمة ، وربما كان حديثا طويلا .
والحديث الطويل ربما كان معلوم الكذب عند المتكلّم والسامع كالحال في الحكايات الموضوعة في كتاب " دمنة وكليلة " ، وربما
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف — صفحة 626
مساهمون: جيرار جهامي
ص٦٢٦