تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف — صفحة 591

مساهمون:

ص٥٩١
واللحن تجعل القول أتمّ محاكاة ، وهي الإشارات والأخذ بالوجوه الذي قيل في كتاب الخطابة . فأول أجزاء صناعة المديح الشعري في العمل هو أن تحصى المعاني الشريفة التي بها يكون التخييل ، ثم تكسي تلك المعاني اللحن والوزن الملائمين للشيء المقول فيه . ( ش ، 75 ، 2 ) - إنه يجب أن تكون صناعة المديح مستوفية لغايات فعلها ، أعني أن تبلغ من التشبيه والمحاكاة الغاية التي في طباعها أن تبلغه . وذلك يكون بأشياء : أحدها أن يكون للقصيدة عظم ما محدود ، تكون به كلّا وكاملة . والكل والكامل هو ما كان له مبدأ ، ووسط ، وآخر . والمبدأ " قبل " وليس يجب أن يوجد " مع " الأشياء التي هو لها مبدأ . والآخر هو " مع " الأشياء التي هو لها آخر وليس هو قبل . والوسط هو " قبل " و " مع " ، فهو أفضل من الطرفين ، إذ كان الوسط في المكان قبل وبعد ؛ فإن الشجعان هم الذين مكانهم في الحرب ما بين مكان الجبناء ومكان المتهوّرين ، وهو المكان الوسط . وكذلك الحدّ الفاصل في التركيب هو الوسط ، وهو الذي يتركّب من الأطراف ولا تتركّب الأطراف منه . وليس يجب أن يكون المتوسط وسطا ، أي خيارا في التركيب والترتيب فقط ، بل وفي المقدار . وإذا كان ذلك كذلك ، فقد يجب أن يكون للقصيدة أول ووسط وآخر . وأن يكون كل واحد من هذه الأجزاء وسطا في المقدار . وكذلك يجب في الجملة المركّبة منها أن تكون بقدر محدود ، لا أن تكون بأي عظم اتّفق . وذلك أن الجودة في المركّب تكون من قبل شيئين : أحدهما الترتيب ، والثاني المقدار ولهذا لا يقال في الحيوان الصغير الجثة بالإضافة إلى أشخاص نوعه إنه جيد . والحال في المخاطبة الشعرية في ذلك كالحال في التعليم البرهاني ، أعني أن التعليم إن كان قصير المدة ، لم يكن الفهم جيّدا . ولا إن كان أطول مما ينبغي ، لأنه يلحق المتعلّم في ذلك النسيان . والحال في ذلك كالحال في النظر إلى المحسوس ، أعني أن النظر إلى المحسوس إنما يكون جيّدا إذا كان بين الناظر وبينه بعد متوسط ، لا إذا كان بعيدا منه جدّا ، ولا إذا كان قريبا منه جدّا . والذي يعرض في التعليم بعينه ، يعرض في الأقاويل الشعرية ، أعني أنه إن كانت القصيدة قصيرة ، لم تستوف أجزاء المديح . وإن كانت طويلة ، لم يمكن أن تحفظ في ذكر السامعين أجزاؤها . فيعرض لهم إذا سمعوا الأجزاء الأخيرة أن يكونوا قد نسوا الأولى . ( ش ، 85 ، 6 ) - قال ( أرسطو ) : وأكثر ما يجب أن يعتمد في صناعة المديح أن تكون الأشياء المحاكيات أمورا موجودة ، لا أمورا لها أسماء مخترعة . فإن المديح إنما يتوجّه نحو التحريك إلى الأفعال الإرادية . فإذا كانت الأفعال ممكنة ، كان الإقناع فيها أكثر وقوعا ، أعني التصديق الشعري الذي يحرّك النفس إلى الطلب أو الهرب . وأما الأشياء الغير الموجودة فليس توضع وتخترع لها أسماء في صناعة المديح إلا أقل ذلك ، مثل وضعهم الجود شخصا ، ثم يضعون أفعالا له ويحاكونها ويطنبون في مدحه . وهذا النحو من التخييل ، وإن كان قد ينتفع به منفعة غير يسيرة لمناسبة أفعال ذلك